|
|
يوسف الخطيب (1931 - 2011) .. شاعر العروبة والمقاومة والإنسانية
محمد قاسم الخليل
* الثــورة السوريـة
رحل الشاعر يوسف الخطيب بعد حياة حافلة بالشعر والنضال والجهاد الأكبر والأصغر، لم يهدأ الخطيب خلال حياته الممتدة على ثمانية عقود من العمل من أجل قضية شعبه ووطنه، وحمل خلال ستين عاما على عاتقه لواء الشعر المقاوم، وبقي ملتزما بقضايا أمته ووطنه حتى الأيام الأخيرة من حياته، لم يجامل ولم يهادن.
كانت المرة الأولى التي سمعت فيها بالشاعر في عام 1965 عندما ألقى يوسف الخطيب قصيدة في مهرجان وطني كانت إذاعة دمشق تنقله مباشرة قال في مطلعها:
أكاد أومن من شك ومن عجب
هذه الملايين ليست أمة العرب
هذه الملايين لم يدري الزمان بها
ولا بذي قار شدت راية الغلب
ومن تلك القصيدة:
لو كنت من مازن لم يستبح وطني
بنو اللقيطة من صرافة الذهب
شدت تلك القصيدة الجماهير، وشدهم أكثر قوة نبرة الصوت المتوافق مع مضمون القصيدة، ماجعل اسم الشاعر يتردد على الألسنة وتتحرك الشفاه بتلك القصيدة ولاسيما مطلعها الذي أصبح من الأمثال وبعد أيام طبعت القصيدة، بعنوان شعلة البعث، وعرضت في واجهات المكتبات ومنها مكتبة كانت ملاصقة لدار سينما العباسية، حيث بيعت منها آلاف النسخ أثلجت وارداتها صدر صاحب المكتبة.
ولم تكن قوة تلك القصيدة في جزالة ألفاظها فقط بل في تلك الجرأة التي امتلكها الشاعر حيث هاجم المتخاذلين، وما أشبه الليلة بالبارحة حيث يقول:
واخجلتاه بيوت الناس أعمرها
وبيت أهلي عويل الريح والخرب
ثم يمدح في ختام قصيدته نضال سورية ووقوفها إلى جانب الحق الفلسطيني فيقول:
ما ضرهم أنهم بالسيف نخوتهم
وغيرهم برجيج القول والخطب
أمنت بالشام روح البعث تسكنه
ما جلق هذه بل كعبة العرب
وقد ظل الشاعر على مبادئه لا يهادن ولا يساوم، ويقف ضد الذين يبيعون قضية وطنهم، ونجد ذلك في كثير من قصائده لعل أوضحها قصيدة (يوسف).
إن دمشق التي شهدت تألق الشاعر في هذه القصيدة سبق لها أن شهدت في عام 1955 ولادة شاعر شاب لفت أنظار الجمهور ونقاد الأدب يملك خصوصية واضحة في الصور الشعرية ومضمون القصيدة الوطنية، من المجموعة الشعرية الأولى ليوسف الخطيب بعنوان: (العيون الظماء للنور) وقد صدرت عن المطبعة العمومية بدمشق، ومنذ ذاك الحين بدأ هذا الصوت الشعري يأخذ طريقه إلى الأضواء الأدبية.
حياة يوسف الخطيب كانت حافلة بالأحداث تنقل خلالها بين عدد من المدن العربية والأوروبية ليستقر في دمشق، ومضى مناضلا في سبيل قضية شعبه في المجال الثقافي والأدبي.
كان في الخامسة والعشرين عندما وضع قدمه في عالم الشعر ولينتقل بعد ثلاث سنوات إلى شهرة أوسع عندما أصدرت له دار الآداب في بيروت مجموعته الثانية بعنوان: (عائدون) عام 1958، وقد لفت الأنظار بأسلوبه التصويري البعيد عن المباشرة.
بدا الوعي الوطني عند يوسف الخطيب منذ طفولته الأولى في قريته (دورا) القريبة من الخليل، مسقط رأسه في عام 1931، فقد كان الشعب الفلسطيني يناضل ضد الاحتلال البريطاني والنشاط الصهيوني في فلسطين.
وكان يوسف في الخامسة عندما اقتحم جنود بريطانيون منزله بحجة البحث عن سلاح يُمكن أن يكون والده قد أخفاه في المنزل قبل رحيله إلى دمشق، وقد لجأ إليها إثر ملاحقته من قبل قوات الاحتلال بسبب نشاطه النضالي، كما أصدر في بيروت مجموعته الثالثة بعنوان: (واحة الجحيم) عن دار الطليعة للنشر في عام 1964، وفي العام ذاته مجموعة قصصية بعنوان (عناصر هدامة) عن المكتبة العصرية.
كان الوالد المناضل قد أخذ بيد صغيره إلى كتّاب القرية ليتعلم القراءة والكتابة، ثم بعد ذلك درس مرحلة التعليم الابتدائي في مدرسة القرية.
هاجرت أسرة الخطيب إلى الأردن بعد النكبة، وحضر يوسف الخطيب إلى دمشق في عام 1951 ليدرس الحقوق في جامعتها، وبعد تخرجه آثر أن تكون مقرا لحياته العملية، وشهدت المدينة قبيل تخرجه في عام 1955 باكورة مجموعاته الشعرية (العيون الظماء للنور)، وانتماءه للفكر الوحدوي العربي.
وعمل الخطيب بعد تخرجه في الإذاعة الأردنية حتى عام 1957 حيث عاد إلى دمشق وعمل في الإذاعة السورية، وأصدر في دمشق ديوانه الثاني.
وخلال فترة الوحدة والانفصال لجأ إلى بيروت إثر ملاحقة المنتمين للحركات العروبية، ومنها إلى هولندا، وعاد إلى دمشق بعد ثورة آذار 1963 حيث استقر فيها بشكل نهائي.
وشمل العمل الإذاعي للشاعر إذاعات عربية عدة (دمشق، فلسطين، الرياض، صوت العرب، القاهرة، الكويت، بغداد، وإذاعة هولندا العربية).
وتولى في عام 1965 منصب المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وبعد عام من هذا التاريخ أسس دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون حيث أصدر مجموعة من الكتب والموسوعات عن وطنه ومنها المذكرة الفلسطينية بخمس لغات عالمية لمدة تسعة أعوام بين عامي 1967 و1976.
كما أصدر في دمشق عام 1965 (ديوان الوطن المحتل دراسة ومختارات) تضمن مجموعة من قصائد ودواوين شعراء فلسطين المحتلة، أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، وفيه دراسة بقلم الشاعر عن الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة.
وشارك الخطيب في تأسيس اتحاد الكتاب العرب مقره في دمشق، كما شارك في تأسيس اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وفي عام 1968 اختير بالإجماع عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني عن المستقلين، وأصدرت الأمانة مؤخراً الأعمال الكاملة للشاعر في ثلاثة مجلدات.
وقد حظي أدب وشعر يوسف الخطيب باهتمام النقاد والباحثين ومن الأبحاث اللافتة كتاب أصدره اتحاد الكتاب العرب في دمشق بعنوان (يوسف الخطيب ذاكرة الأرض، ذاكرة النار) تأليف ناهض حسن (فائز العراقي).
وتناول المؤلف التجربة الشعرية للشاعر مؤكدا أن الخطيب هو شاعر الأرض والوطن بامتياز، الوطن بوصفهِ رمز الوجود، وجوهر الكينونة البشرية والجذر الأول الذي يُحدد هوية الإنسان، وقيمته المعنوية، ويصوغ ذاكرته الأولى ووجدانهِ الجمعي.
ويؤكد المؤلف أن فرادة الخطيب وشخصيته الفنية المستقلة والمتميزة تجسّدت في العديد من الملامح والسمات الفنية الأساسية، ومنها طريقته في تعامله مع اللغة، وكيفية تطويعه لها، حيث يمكن القول إن له قاموساً شعرياً خاصاً يُميّزَه عن مجايليهِ كافة من الشعراء، والأساليب الفنية الحديثة التي استخدمها في التعبير عن رؤاه وأفكارهِ ومواقفه.
وأقيمت للخطيب خلال حياته العدد من الاحتفالات التكريمية كان آخرها تكريمه في مركز الخالصة في مخيم اليرموك بدمشق في مطلع العام الحالي، لأنه شاعر كان له دور كبير في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي التأثير على الأجيال العربية بشعره وفكره الداعم لحق المقاومة، كما تم تكريمه في مهرجان المزرعة في السويداء خلال شهر آب من عام 2010.
وصدح بعض المغنين بشعر الخطيب ومن القصائد مغناة (أجراس بيت لحم وعاش الولد)وقد قام بتلحينها سمير كويفاتي وغنتها ميادة بسيليس.
وامتلك المبدع يوسف الخطيب طاقات تعبيرية ونفسية كبيرة ولغة شعرية مشحونة بدلالات و رموز وإشارات تلفت النظر وتشد القارئ والسامع.
يوسف الخطيب صوت شعري فلسطيني أثَر في الساحة الشعرية العربية على مدى نصف قرن، ويعد آخر الكبار من شعراء العروبة، لقد رحل لكن صوته الشعري القوي باق عند الأجيال القادمة.
وحقيقة لم يكن يوسف الخطيب شاعراً لفلسطين فقط، فهو شاعر قومي إنساني وطني ثوري، ومن يرجع إلى مجموعاته الشعرية سيكتشف كم كان يوسف الخطيب عروبيا وكم كان إنسانيا، فقد شدا لقضايا العرب ولقضايا المحرومين في كل مكان.
رحل وفي الحلق غصة كان يتمنى أن يكون طيرا يطير يخترق الحدود والقيود ويطير في سماء فلسطين فهو القائل:
ليتني كنت قبَرة فأطير
وجناحي مصفق في الأثير
فوق بيارة لنا وغدير ليتني كنت قبَرة