B]شتاء بلا مطر
قصـة قصيــرة
مهدي عيسى الصقر
[/B]

يالهشاشة هذا الجسد، الذي يضم روحك اللائبة. أنت لست سوى كتلة ضئيلة، من اللحم والعظام، تتداعى، في لحظة، ما إن يختل قليلاً مجرى الدم، في العروق. ترى ما الذي أصابك بغتة!؟ حتى الجلوس على الأرض ما عدت تقوى عليه.. تستلقي، مثل خرقة مهلهلة، على الإسمنت البارد، في محطة للحافلات، وحيداً، مهجوراً، وسط اللغط والزحام.
ماذا جئت تفعل هنا!؟ السائق ظنك نائماً. رآك ملموماً على نفسك، جالساً ما تزال، في مقعدك، في نهاية الحافلة، بعد أن فارقها المسافرون، عيناك مغمضتان ورأسك يستند، إلى حافة النافذة، فظنك نائماً. "أخي وصلنا!" صاح، من مكانه، يوقظك من نوم توهمه، "هذه هي العاصمة. نعم، هذه هي بعينها، وأنت ترقد، الآن، على أرضها العارية، لا تستطيع أن ترفع جذعك المتهافت. تفتح عينيك، تنظر إلى الوجه الحائر، أصبح الآن معلقاً، فوق رأسك. "أنا تعبان!". يعاونك سائق الحافلة، على النزول. "أتريدني أن آخذك، إلى بناية المسجد القريب، تستريح هناك".
تروق لك الفكرة، إلا أن ساقيك ما عادت تطاوعانك. "لا، أنام هنا." يفتح أجفانه. يلمح وجوهاً مبهمة الملامح، تموج في فضاء كابوسي معبأ بالدخان، واللغط، وهدير المحركات، ووقع الأحذية المسرعة، على الإسفلت، ورائحة وقود الحافلات، ومطّاط الإطارات الساخنة، بعد المسيرات الطويلة، على الطرق البعيدة، في حين كانت مصابيح "النيون"، المثبّتة في السقوف، ورؤوس الأعمدة، تنشر ضوءها البارد، في الساحة الشاسعة. "ولكن أين تنام هنا، وسط حركة الناس والحافلات!؟". يد السائق ما تزال تمسك بذراعه بقوة، تساعده على الثبات، ولكن أهكذا يتهاوى بنيانك، الذي توهمته متيناً!؟ "أنام على الأرض." ثمة شحاذ يصيح، فوق الضجيج، يلتمس الإحسان، من العابرين. أنت أيضاً غدوت شحاذاً مثله، لكنك لا تريد الخبز وحده. قالت لك هي، من جدران البيت، طفلكما يستريح، على ذراعها" افعل شيئاً. ألست رب العائلة!؟". ضحكت. قلت لها "لا رب غير الرب!".
تأملتك، كأنك إنسان معتوه. نعم، هي على حق، فأنت إنسان معتوه، وإلا ما ركبت الحافلة، وقدمت إلى العاصمة. لكنني ما كنت أعلم أن هذا الجسد الملعون يخذلني، وأنا بعد في الطريق. يتوقف السائق، لا يدري ماذا يفعل بك.
ترى الحيرة في عينيه. إذهب. لا تشغل نفسك بي." غير أن السائق لا يفلت ذراعك. "إذا تركتك تنام هنا، على الأرض، فسوف تدوسك الأقدام". يبتسم. ما زال بوسعه أن يبتسم. "لا بأس، فهي تدوسني، منذ زمن!". قالت لك "ما هو الحل إّن!؟ أنا لا أفهم!". نظرت في عينيها، تترقبان منك رداً، وقلت لها "يا حبيبتي، لا أحد يريد منك أن تفهمي، بل أن تستسلمي، حتى تظل الأرض تدور حول نفسها، وحول الشمس، ويبقى الملك لصاحب الملك!".
سأتركك تنام، على منصة الإسمنت هذه، بعيداً عن طريق الحافلات، فقليل من الناس يمرون من هنا." ولكنك حين رأيت القنوط، في عينها، شعرت بالوجع سكيناً تمزق قلبك، فأردت أن تقول لها "من أجلك، من أجلنا، طفت المدن أبحث عن نفسي، وجدت المدن مثلي تائهة، تبحث عن نفسها، فالدروب تقاطعت، وتوارت علامات الطريق!"
ولكن صمت الضائعين، والمخذولين، ختم على لسانك، فخرجت تلاقي حظك، في المدينة الكبيرة، مثلما لاقى يونس حظه، في جوف الحوت. "انتظر. أجلب لك غطاءً، يجلسك السائق، على منصة الإسمنت المستطيلة، ويعود إلى حافلته، فتنهار منبطحاً، على الأرض الباردة. في الحافلة، قابعاً وحدكَ، في الصف الأخير، رحت تحاورها، جبينك الملتهب يستريح، على زجاج النافذة البارد، تتكلم وتتكلم، بلا صوت، وجهها المشدوه، وراء الزجاج، يرافقك في بياض البراري، تدور، وتدور، من حولك، والحافلة تمضي بك صوب العاصمة، يخلع السائق عنك فردتي حذائك، يجعلهما وسادة تحت رأسك، ثم تنشر فوقك غطاءً يقيك البرد. "علي أن أذهب الآن". ينظر إلى وجهه يبتسم مشجعاً "سوف ترتاح، وبعد ذلك تنهض وأنت أكثر نشاطاً من قبل". يمنحك كلماته المتفائلة، ثم يمضي، وتبقى أن تفعل!؟ تغمض عينيك متعباً، يلفك دوي الحافلات، ولغط المسافرين، ووقع خطواتهم المضطربة. ولكن لماذا جئت إلى هنا!؟ لماذا!؟ آخ، أية طعنة رهيبة، في القلب، هذه!؟ يفتح عينيه، نظراته المفزوعة تتعلق بالوجوه العابرة، المنشغلة، لا تخف.. لا تخف! وخزة برد ربما، فصدرك يلتصق بالإسمنت البارد.. نعم نعم، هي وخزة برد، وليست شيئاً آخر. يزحزح جسده ببطء، ينقلب لينام على ظهره. يسقط عنه جانب من الغطاء. يشعر بساقه، التي تكشفت للهواء، يلفها برد، مثل غلالة منقوعة بماء مثلوج. يجر الغطاء فوقها، بيد واهنة، فتخترق قلبه طعنة رهيبة أخرى، فما الذي يجري!؟ لا، ليس هذا من تأثير البرد.
لعل نذر النهاية، تحلُّ بغتة، بلا موعد، وفي المكان الخطأ. تتناوشك الطعنات، بعد ذلك، بشراسة، ولكن لماذا كل هذر الأوجاع!؟ يظل نائماً على ظهره، بلا حراك، يعمل بنصيحة سمعها مرة، لن تدهمه مثل هذه الحالة الفظيعة، لعل الأوجاع تهدأ، عيناه تستصرخان، في هذه الأثناء، الوجوه العابرة، في ذلك الجو الضبابي، المعبأ بصخب المكائن، ولغط البشر. يلمح وجهاً يقبل عليه فيستبشر. ربما نقله القادم، إلى مستشفى، ربما لم يفت الأوان بعد، ربما هي محض آلام، في الصدر، لا تلبث أن تزول، ربما.. ويغدو الوجه قريباً. يراه يهبط عليه باهتمام. "قلبي!" يهمس بصوت واهن، يشعر باليدين تتحسسان صدره. يداخله شيء من الارتياح، إذ تلمسه يد بشرية عطوفة.
"خذني إلى..!". يرى الرجل يتلفت، ينظر حوله. لعله يبحث، عمّن يعاونه، في نقله، من مكانه. إلا أنه يباغت باليدين تستبيحان جيوبه، يطبق أجفانه مفجوعاً. لا، لا تجهش بالبكاء، أرجوك. تمالك نفسك قليلاً، فأنت، الآن، في جوف الحوت!
*
يفيق من غيبوبته ذاهلاً. يكتشف نفسه ما يزال ممدداً، في مكانه، فوق مستطيل الإسمنت. يشعر بجسده منقوعاً بالعرق، ثيابه مبلولة، برغم برد الشتاء القارس. يبدو أن أوجاعك هدأت، أم تراها منحتك هدنة قصيرة تستريح فيها، لتعاود هجومها ..؟. بعد حين!؟ لابد أنه فقد إحساسه بالأشياء من حولـه، مدّة طويلة، فهذا صوت المؤذن ينادي، لصلاة الفجر، من مكبرات الصوت، فوق منارة الجامع القريب، والمحطة صامتة تقريباً، وصفوف، من الحافلات، تقف ساكنة، في أماكن متفرقة، من المرآب الكبير، سطوحها تلمع، تحت أضواء المصابيح. يلمح رجالاً يتخاطفون كالأشباح، يخترقون الفراغات، في الساحة الواسعة، بين باب وآخر، يمشون مطرقي الرؤوس، لا يلتفتون يمنة ولا يسرة، خطواتهم عجلى، كأن شياطين العالم السفلى تطاردهم بلا كلل. يلمح كلباً يشمشم أسفل الجدران، وبين صفوف الحافلات، يبحث عن شيء يؤكل. يرى ثلاثة هياكل (أتراه يحلم !؟) تجلس على الأرض، على مسافة قريبة من المنصة، التي ينام عليها؛ رجل وامرأة وصبي.
الأشخاص الثلاثة يجلسون، في سكون، كل واحد منهم يقبع، في زاوية من مثلث وهمي، تتوسطه كومه صغيرة من الأمتعة، وهم يجلسون، في وضع متماثل، فكل منهم يجمع ساقيه، إلى صدره، قدماه تستقران متجاورتين، على الأرض، ذراعاه تلتفان حول ساقيه، ورأسه يستريح، فوق ملتقى الركبتين الملمومتين، كأنهم يؤدون طقساً من الطقوس. الأشخاص الثلاثة يشعرون بوجوده، على مقربة، لكنهم لا يكترثون به، تشغلهم همومهم. لا يدري كم مضى عليهم من الوقت، وهم على جلستهم الساكنة تلك. تتعبه الأضواء فيطبق أجفانه. تختفي الهياكل الثلاثة، وتختفي صفوف الحافلات، من أمام عينيه؛ تبقى أطيافها تموج في رأسه، ويبقى معها الصمت، تخترقه الخطوات العجلى، للأشباح المتخاطفة، في فراغ المحطة. يوشك أن يغفو، غير أنه يسمع لهاثاً، وحسيس أنفاس، تلامس لحم وجهه، حارة وندية. يفتح أجفانه. يفاجأ مرعوباً بوجه الكلب، الذي كان يشمشم، أسفل الجدران، معلقاً فوق رأسه. (لا، ليس ما يعيشه حلماً، بل كابوس!) يرجّه رعب طريدة محاصرة توشك أن تتناوشها المخالب والأنياب. ينظر ضارعاً، إلى الهياكل الثلاثة. يراها تتململ، لكنها لا تفارق أماكنها لنجدته.
يتكلم بصوت متحشرج، يحاول أن يلفت انتباه الرجال المتخاطفين، بين الأبواب، ولكن لا أحد يتلكأ، في سيره العجول، أو يلتفت إليه، في حين يظل الرجل، والامرأة، والصبي، على جلستهم الساكنة، ينتظرون في صبر.