النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: بلا انقطاع - خيري منصور

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    بلا انقطاع - خيري منصور

     

    بلا انقطاع

    خيري منصــور

    * دار الخليــج




    عندما تحتفل مؤسسات ثقافية ودور نشر عريقة في أوروبا بمئويتها ننظر وراءنا وحولنا في كثير من الشجن، لأن الاستمرارية في تلك المؤسسات أتاحت لها ترسيخ تقاليد لا تتغير بتغير الأفراد ولا يطعن فيها الخلف بالسلف، كي يبرهن على تميّزه واختلافه من تلك المؤسسات دار نشر “غاليمار” الفرنسية التي نشرت أهم أعمال مبدعي فرنسا ومفكريها خلال قرن، بدءاً من الكلاسيكيين حتى المعاصرين، سواء كانوا من الموتى أم الأحياء، ومن أشهرهم أندريه مالرو، وألبير كامو، وجان بول سارتر، وأراغون وغيرهم .

    ومن تقاليد دور النشر في أوروبا تحديداً أن لها خبراء يطلق عليهم اسم القرّاء، يرشحون الأعمال الجديرة بالنشر، أو يقدمون النصائح لإعادة الصّياغة، ومن أبرز من عملوا قرّاء ل “غاليمار” في باريس الكاتب والروائي ألبير كامو الحائز جائزة نوبل للآداب، كما أن من قرّاء دار “فيبر وفيبر” البريطانية الشاعر ت .س .إليوت، أشهر شعراء بريطانيا في القرن العشرين، وقد عمل لفترة مديراً للدار .

    في عالمنا العربي ثمة مجلات ودور نشر تعيش ربع قرن أو نصف قرن، ثم تصاب بفقر الدم وتنطفئ وتُنسى، ولو شئنا تذكير القرّاء بالبيانات الختامية وهي بيانات نعي لمجلات فكرية بالغة الأهمية لما بقي لنا مساحة لإكمال ما نود قوله .

    بعض تلك المجلات عانى من الاحتضار طويلاً ثم ذهب إلى مأواه، وهناك دور نشر كانت تعد بالعشرات في ستينات القرن الماضي ندين لها بثقافتنا، لما قدمته من ترجمات من مختلف اللغات، يوم كان الكتاب بلا منافس تكنولوجي، وباستثناء صحف عربية عريقة ك “الأهرام” التي أسسها الأخوان تقلا، و”دار الهلال” التي أسسها جورجي زيدان يوم كانت مصر المجال الحيوي للمهاجرين من بلاد الشام يندر أن نجد مطبوعة عربية استمرت قرناً أو أكثر بلا انقطاع، لكن هذا الاستمرار لم يمنع من وجود ثغرات وفجوات هي أشبه بالقطيعة المعنوية، للسبب ذاته وهو عقوق الخلف للسلف، رغم أن الحديث لا تبدو قامته باسقة كما قال فاليري، إلا لأنه يجلس كالطفل على كتفي جدّه .

    وقد عانى العرب من بواكير نهضتهم التي أجهضت في الرحم في القرن التاسع عشر من عدة قطائع معرفية وسياسية، عندما سيطرت على مناخاتهم الثقافية والفكرية فلسفة الموجات المتعاقبة التي تتسابق نحو الشاطئ، لكن ما من واحدة تصل إليه وتمكث هناك . في لندن وباريس هناك مسرحيات تقدم منذ خمسين أو ستين عاماً، تموت أجيال من المخرجين والممثلين وتولد أجيال، لكن العمل باق، وقد شاهدت ذات يوم في إحدى مدن فرنسا محلاً صغيراً مخصصاً لصناعة السّكاكين الأليفة التي تقطع بها الصفحات، رغم أن تقنية الطباعة الآن لم تترك لهذه السكاكين مبرراً أو جدوى، لكن صانعها قال إنه يحافظ على مهنة ولدت مع الكتاب، ولو على سبيل الرمز والفولكلور .

    كيف نفسر هذه الانقطاعات في مسارات حياتنا وتطورها؟ هل لأننا مسكونون بنموذج نحاكيه، بحيث نتحول إلى ظلال وأصداء له بمعزل عن حاجاتنا الواقعية؟ أم لأن المزاوجة بين الأصيل والمعاصر بقيت في طور الخطوبة فقط ثم انتهت إلى طلاق؟

    كان يمكن لنا أن نحتفل كل عام بعشرات المؤسسات ودور النشر والمجلات من طراز دار غاليمار وبنجوين وغيرهما، لكن العودة من منتصف الطريق وأحياناً من أوله حالت دون هذه الاستمرارية التي لا يمكن لأي تقاليد أن تستقر وتترسخ بدونها، فالأعتاب وحتى الأبواب وحدها لا تصنع بيوتاً، وإلى أن نتحرر من ثقافة العودة إلى الصفر أو أول السطر سيبقى الانقطاع مثاراً لأكثر من شجن .
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 22 - 6 - 2011 الساعة 01:09 PM

  2. #2
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    21 - 5 - 2011
    المشاركات
    85
    معدل تقييم المستوى
    58

    رد: بلا انقطاع - خيري منصور

    موضوع رائع تسلمي ع النقل

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: بلا انقطاع - خيري منصور

    شاكـرة هطولك بين مقال الكاتب خيري منصـور،
    دمت بسعادة،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •