النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: في باحة المدرسة - محمد حيـدر

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    في باحة المدرسة - محمد حيـدر

     

    في باحة المدرسة

    محمـد حيـدر

    * القدس العربي




    في باحة المدرسة خلف مكان عملي توجد اليوم مساحة كبيرة فارغة. اقف على نافذتي واراقبها. لم يعد يوجد فيها طلاب يخرجون راكضين وصارخين بعد جرعة الدروس المملة، او طلاب هاربون من دروسهم وعلى مرأى الجميع، ليلعبوا لعبتهم المفضلة ضمن هذا المكان الواسع.

    البراميل الحديدية ـ الغير معروف سبب تواجدها في باحة المدرسة ـ في مكانها، غير مزاحة لكي تصبح المرمى، او وسيلة القفز عن السور. الكرات متروكة في زاوية كئيبة لا تحرض اي احد لكي يقذف بها نحو مدى بعيد يعبر عن جنونه.
    الباحة فارغة كدمشق.

    سورية تحدّها من الشمال تركيا، ومن الغرب البحر المتوسط (دون ذكر لبنان طبعا)، ومن الشرق العراق، ومن الجنوب الاردن، ومن الجنوب الشرقي ' فلسطين'. سورية مع كل ما يحدها اعداء، حتى مع البحر. بحر سورية هو البحر الاكثر هدوءا في العالم، هو الشط الاهداء من بحر أججته هيلينا وطروادتها، هو بحر بلا أمواج، الأمواج تنكسر، تختفي فجأة قبل ان تصل الى اقدام بعض المصطافين عبدة كادموس الحالمين بقليل من حرية وجنون اوروبا الطرف البعيد الاكثر عداوة.

    سورية ضيقة، اضيق من باحة مدرسة.

    دمشق يحدها من كل أطرافها، كدائرة، ريفها، ريف دمشق. دمشق تحدها دوما، داريا، حرستا، برزة، جرمانا، المعضمية، القابون، الجديدة، والتل. دائرة دمشق تطالب بشيء ما، ببحر ربما، ودمشق تترفع، تحاول الحفاظ على هدوئها المعتاد الذي هضمت به من قبل جنكيز خان وهولاكو والفرنسيين والرومان، ولكن هدوءها هذه المرة ابتلعها هي، ابتلع شوارعها ومطاعمها، وباراتها، ومقاهيها، وابوابها السبع. لا عابر يأتي ولا راحلون، هي اما لهم او لآخرين. الجميع استكان لصمت دمشق القديم، ودمشق وقعت حبيسة الصورة، حبيسة اطار دائري لا يرتاح ليل نهار في بحثه عن كسر الصورة والصنم.

    الدائرة تضيق وتضيق. سورية، ريف دمشق، دمشق، وباحة المدرسة الفارغة.

    في الشارع الخلفي لبيتي، اطل من بلكون مغطى بقماش سميك، يحجب الآخرين عن رؤية عورات البيت، ويحجب عورات البيت عن الضوء والهواء. هي عادة دمشقية بجدارة: الاختباء خلف قماش العفة، ليس من اجل العفة، ولكن من اجل غواية القماش. في الشارع جموع تحتشد فجأة، أصواتها المتفرقة تبدأ بالتوحد وتثير الخوف. خوف من؟ خوف من لم يسمع من قبل سوى صوت مؤذن الجامع المنفرد الناعس، وصوت تجريب صفارة الإنذار كل يوم أربعاء من أول كل شهر....لا يعرفون ما يريدون.

    نعم، وتلك حسنة، لو كانوا يعرفون لغنى كل منهم وحيدا، هذه سورية التي يعرفها جيدا كل سوري. الجموع تتقدم، تجتاح كل الشوارع، تطالب ببحر فتتحول هي الى بحر، أهذه طقوس التحول والتماهي التي تأتي بها ' الثورات'!! لكن كادموس يغضب، يشتكي عند أخيه اله الاولمب، زيوس العظيم، رب الرعد والصواعق، والضحية تكون بروميثيوس. لا بد من ضحية لأعداء البحر، لا بد من ضحية لحملة النار الوحيدين.

    أصوات الرصاص تنطلق في كل مكان، والبحر يشقه مسيح متردد، خائف من ان يسحب الله فجأة عنه معجزاته، ويقع غريقا في بحر لم يطأه من قبل. الحشود تتفرق راكضة. كل تلك الأجيال المدعوة: نضال، كفاح، ثائر، جهاد، باسل....لم تعرف من الأسماء سوى لفظها، والان مع صوت الرصاص تعرف ان الموت ليس لعبة، ان الموت ليس مجرد لفظ، وان اللون الاحمر الذي كانت تكتب به الشعارات المقيتة على جدران المباني، هو في الاصل لون الدم. حسنة هذه ايضا، الدم استطاع اعادة دهن المباني، وتكذيب الشعار ' الدموي'.

    اصوات الرصاص لا تتوقف. لا احد يستطيع ايقافها، لا احد يريد ايقافها. من يريد كل هذا الغموض؟ من يتحمل مسؤولية ما ينتجه هذا الالتباس؟ هل يعلمون ـ ام انهم يقصدون؟ ـ بان الالتباس اليوم هو المعركة بحد ذاتها، بانه نقطة الشجار والتطرف؟ في لعنة الاسطورة، وقبل ان تولد السياسة، هنالك نسر واحد فقط ينهش كل يوم جرح بروميثيوس. من الذي حور الاسطورة، جعلها مجرد لعنة فقط، وجعل مئات النسور تنهش هذا الجسد....هذا جسدي فكلوه، وهذا جرحي الذي لم يبقَ فيه دم، فارحموه، وابتعدوا.

    باحة المدرسة الفارغة اصبحت مطلية بالاحمر. لن يعرفها طلابها عندما يعودون في الفصل القادم ولونها الجديد لن يتماهى مع العاب الملل القديم.
    اتمشى مساء في دمشق، حيث ' كل شيء على ما يرام'، لا رغبة لي في العودة الى بلكون القماش الذي تخزق، ولا استطيع الذهاب لألقي نظرتي على تلك الباحة.....اين هم عبدة كادموس؟ هل ما يحصل حلم ام حقيقة؟ هل بالفعل باحة المدرسة فارغة ام انها فترة الامتحانات؟ هل هاج شارعي اليوم بجموع البحر ام انها مجرد تخيلات شخص عاجز يقبع كل يوم خلف القماش؟ وهذا الخوف في عيون حواجز حديدية لم تعرف يوما سوى القاء نظرة البرود والاستهانة بالعابر؟ هذا البارود المنثور الذي يفصل المسافة بين العابرين؟ هذا القلق الهستيري من صوت نزاع يعلو في مدينة كان يغزو شوارعها الضجيج المجاني؟ هذه الاصوات الخارجة من البيوت: مذيعون ' يتجرأون' لأول مرة على ذكر الأسماء والأرقام والأقرباء والتفاصيل؟ هل كان لديهم كل هذه التفاصيل؟ اليسوا فقط زعماء الاولمب، نقطة انتهى؟ هل كانت لدينا كل هذه التفاصيل، كل هذه القرى، كل هذه المدن، كل هذه الرغبات، كل هؤلاء الاطفال؟ الم نكن مجرد عابرين، آباؤنا عابرين، ايامنا عابرة، ذكرياتنا عابرة، والاصعب، مستقبلنا عابر؟

    كيف يمكن للحياة المليئة بتفاصيل العبث والثرثرة ان تتحول فجأة الى مسرح كل شيء فيه له معنى، حتى الصمت.
    دمشق كخشبة مسرح فارغة لا يجرؤ فيها الممثلون على الخروج من كواليسهم.

    في كتابه ' المسرح وقرينه'، يتحدث انطونان آرتو عن الفوضى التي تسقط كل القوانين ليصبح الجنون هو سيد الموقف، فوضى الطاعون الذي ينتشر جاعلا من الموت، والفناء مسألة ايام، وليس مرتبطا بأساطير دينية تحيله الى يوم مؤجل بعيد يدعى القيامة. عندها، تاخذ الحياة معنى آخر، او معناها الاقصى والاكثر تكثيفا: الجنون. دمشق عاقلة حتى في جنونها وخوفها.

    دمشق لم تعرف الفوضى منذ زمن، هذا ما قد اشتاقت اليه فعلا، وربما هذا كل ما كانت تريده، ان يترك طلاب مدارسها براميلهم الحديدية الصدئة، الحيطان الباردة العالية، كراتهم المفبركة من العبث، وجوه اساتذتهم المنهكة، وان يطيروا عوضا عن الكرات، ان يتحول الحلم والرغبة الى ملاعب مجنونة لأرواح وأجساد ' حية'.

    من منا لا تتحرك اليوم في داخله تلك النشوة الخفية، تلك النشوة الخطرة بان تطلق الفوضى لنفسها العنان؟ بأن يدخل الطاعون من الابواب السبعة ويصبح الدخول في منطق ' الهلوسة' والضياع هو سيد القدر واللحظة. من منا اليوم والان من لا يحمل في داخله ذلك المزيج الغريب من الخوف والجرأة، من الانا و النحن، من الرغبة القصوى في الحب والرغبة القصوى في الكره؟

    دمشق اليوم هي سيدة القلق.

    طوبى لبروميثيوس لا ' مقيد'.

    مسرحي سوري

  2. #2
    عضو ذهبى الصورة الرمزية احمد النعيمي
    تاريخ التسجيل
    1 - 8 - 2010
    الدولة
    $ R * A *K $
    المشاركات
    4,730
    معدل تقييم المستوى
    342

    رد: في باحة المدرسة - محمد حيـدر

    ان شاء الله يرجع الامن والامان

    مشكوره ع النقل دمتي بحفظ المولى

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: في باحة المدرسة - محمد حيـدر

    شاكــرة تواجدكـ الرفيع،
    دمت بطهــر،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •