حدود الحُلم
خيري منصـور
* دار الخليـج
عندما يتحدث المتفائلون بلا حدود عن حلم لا يحده شيء، يبدو الأمر كما لو أنه دفاع عن الحياة والمستقبل، وهذا بحد ذاته صحيح، لكن الإفراط في الحلم إذا كان معزولاً عن ممكنات الواقع يصبح الطريق المعبد إلى الصدمات وبالتالي ما تفرزه من إحباط، فالحلم يزدهر في المسافة بين الرغبة والقدرة على إشباعها، وهي قد تتسع أو تضيق، والمسألة كلها منوطة بالمقدرة وما قاله المتنبي عن العزائم التي تأتي على قدر أهل العزم، ثمة ما يقابله في التاريح وعلى الشاطئ الآخر . . أن الهزائم تأتي أيضاً على قدر أهلها ومن تسببوا فيها . ونحن هنا لا نضع حدوداً حتى ولو كانت تقريبية للحلم . فهو كالخيال ما إن يحلق عالياً وبعيداً حتى يكون هذا التحليق بمثابة احتجاج على شروط الواقع ومعطياته . . فاليوتوبيا أو المدينة الفاضلة لم يتخيل وجودها أناس سعداء في واقعهم، لأنهم لو كانوا كذلك لكانت المدينة الفاضلة هي مدينتهم التي يعيشون فيها ويسعون في شوارعها وشعابها .
وحين قارن بعض المؤرخين بين ما كتبه دانتي في كوميدياه الإلهية عن الجحيم وما كتبه عن الفردوس وجدوا أن ما كتبه عن الجحيم هو أضعاف ما قاله عن الفردوس لأن الذاكرة البشرية تعاني من حمولة هائلة من الأحزان بحيث يوشك الفرح أن يكون زائراً خفيف الظل أو عابراً بخلاف التراجيديا المقيمة .
قُبَيْل حرب حزيران عام 1967 أفرط الإعلام المتفائل في الوعود وأذكر وجيلنا كله يذكر أيضاً أن هناك إذاعات وعدت الناس بالاستحمام في بحيرة طبرية أو قطف الزيتون بعد ثلاثة أشهر فقط من تلك الحرب في حقول يافا واللد والجليل . . وهذا الإفراط في الحلم المعزول عن المقدرة وما يختزنه الواقع من ممكنات كان السبب الأول في بث مناخات الإحباط في النطاق القومي كله، لأن اللاجئ الفلسطيني الذي أعد حقيبته وأوشك أن يطوي خيمته ليعود إلى داره وجد نفسه بعد أسبوع فقط يستقبل نازحاً جديداً من الضفة الغربية وقطاع غزة . والفارق جوهري وحاسم بين الأوهام والأحلام فالوهم حالة من خداع الذات بحيث لا ترى إلا ما تريد، ولا تسمع إلا صدى صوتها وقد ترى الزجاجة طافحة بالماء، رغم أنها خالية منه تماماً، فالظامئ يبتكر الماء في ظهيرة الصحراء ثم يفاجأ بأن ما سعى إليه مجرد سراب يضاعف من الظمأ ولا يطفئه .
فهل يُفهم من هذا أن الحلم له علمه أيضاً وبالتالي حدوده وقوانينه؟ قد يبدو هذا القول صادماً للحالمين تماماً كما صُدم الرومانسيون حين قرأوا لأول مرة تحليلاً فيزيائياً لقوس قزح أعاده إلى عناصره الطبيعية أو حين عرفوا أن القمر كوكب حجري مظلم رغم اقترانه بالعشق والشعر والسهر والغناء .
إن من حق البشر أن يحلموا، والإنسان قد يليق به وصف حيوان حالم أكثر من تلك الأوصاف من طراز حيوان مفكر أو ضاحك، لأن الحلم يعني إدراك الفارق بين ما هو قائم أو كائن وما يجب أن يكون ولولاه لانعدم الفن وكل ما له صلة بالإبداع .
لكن الحد الفاصل بين الهذيان والحلم وبين الوهم والتطلع، هو أن الهذيان لا يقبل الصرف لأنه ممنوع منه، وغير قابل للترجمة إلى واقع، أما الحلم فهو قابل لهذا الصرف ولتلك الترجمة إذا توفرت له العناصر القادرة على تحويله من مجرد خيال أو تفكير رغائبي إلى نمط حياة . وبالطبع ما من بارومتر أو حاسوب لقياس منسوب الحلم، لكن الناس أدرى بما لديهم لهذا عاشت الحكمة الخالدة وستعيش إلى الأبد وهي رحم الله امرأً عرف قدر نفسه .