[align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=center]
قصص من الماضي


من غرائب الأقدار

على أطراف البادية كان يعيش شاب وحيد، مع أمه العجوز، ولم يكن والده قد ترك له سوى خيمة عتيقة، وبضع عنزات، ينتقل بها وبخيمته وبأمه العجوز من مكان إلى مكان، بحثاً عن المرعى،
والعنزات لا تدر عليه إلا القليل القليل من الحليب.‏
ثم مرت بهم سنة عجفاء، لم ينزل فيها المطر، ولم ينبت العشب، فاضطر إلى بيع عنزاته واحدة بعد أخرى، حتى لم يبق عنده شيء. وذات مساء من تلك السنة القاحلة، نزل في ضيافته أربعة رجال كانوا في طريقهم إلى الصيد، فرحب بهم، وقدم لهم ما عنده من خبز ولبن وتمر، ثم مدّ لهم ما عنده من فرش وبسط، وناموا شاكرين له جوده، مقدّرين بؤس حاله.‏


ولكن النوم جافاه، وأخذ يشاور أمه في الأمر، كيف سيوفر لهم طعام الغد، فنصحت له أن يضرب في الأرض، فامتطى جواد أحدهم، ومضى به في الصحراء، حتى بلغ مضارب قوم لايعرفهم، فربط الجواد بعيداً عن المضارب، وتسلل إلى خباء متطرف، ودخله، وإذا هو أمام قدور كثيرة وأكياس مملوءة، ففرح بما رأى، وأخذ يكشف هذا القدر، ويرفع غطاء ذاك، وإذا هي مملوءة بالسمن والزبدة، وبينما هو كذلك، إذ سقط من يده غطاء أحد القدور، فأحدث صوتاً، دخلت في إثره صبية، فلما رآها أخبرها بحاله وتوسل إليها أن تساعده، فأشفقت عليه، وملأت كيساً بالدقيق، وعكة بالسمن، ورجته أن يسرع قبل أن يشعر به أحد، فشكرها ومضى.‏
ورجعت إلى خيمتها، لتنام مطمئنة إلى أن أحداً لن يعرف ما حصل، ولكن تذكرت البئر المهجورة، القريبة من مضارب القوم، وثار في نفسها الخوف على الشاب من الوقوع في البئر، ولم تستطع النوم، فأسرعت إلى حيث البئر، وإذا الشاب واقع فيها، فدلّت إليه حبلاً، وأخذت تجرّه، ولكنها فجأة وجدت نفسها قد وقعت فوقه، وإذا هما معاً في البئر.‏



ومع الخيوط الأولى للفجر مرّ بهما راع يسوق غنماته، فأنزل حبله ليملأ الدلو، فرآهما، فساعدهما على الخروج، وذهل عندما رأى الصبية، فحدثته بما كان، ورجته أن يصدقها، وتوسلت إليه ألا يحدث أحداً بأمرها، وعادت هي إلى خيمتها، ومضى الشاب يحمل كيس الدقيق وعكة السمن، وامتطى الجواد وانطلق به عائداً إلى خيمته.



وأعدت العجوز للضيوف طعام الإفطار مما أحضره ولدها، ثم شكروا له ضيافته، وودّعوه ومضوا في طريقهم إلى رحلة الصيد.‏





ومرت الأيام والراعي يكتم السرّ ولا يحدث به أحداً، وكان إخوة الصبية غائبين عن المضارب، فلما رجعوا أخذ الراعي، يتردد عليهم زائراً، وكانت الصبية في كل مرة تذكره أمام إخوتها بالخير، وتزوده بالسمن والدقيق، وتؤكد لإخوتها أن لديه أولاداً كثيرين، ومن واجبها إكرامه ومساعدته.‏



ويوماً بعد يوم طمع الراعي، وأخذ السرّ يتحرّك في صدره، فكان إذا رجع من رعي الغنم، والتقى إخوتها ذكر لهم البنات ومسؤولية الأهل عن رعايتهن، وما يجلبن من عار، وأخذ يكرر عليهن ذلك، حتى ضاق به ذات يوم أحد الإخوة ذرعاً، وسأله إن كان قد رأى على أخته شيئاً، أو رابه منها أمر؟‏


فحدثه الراعي حديث البئر والشاب وكيس الدقيق وعكة السمن، وكانت الصبية وراء الخباء تصيخ السمع، فما كان منها إلا أن ركبت فرساً، وهربت من الديار.‏



وفي الصباح طلب الإخوة أختهم فلم يجدوها، فأدركوا أنها قد هربت، فازداد تصديقهم لكلام الراعي، وأقسموا ألايتركوها على قيد الحياة، وأخذوا يجدّون في البحث عنها.‏



وكانت الصبية تطوي القفاز، حتى لاحت لها من بعيد خيمة منعزلة، فأوت إليها، فإذا هي أمام امرأة عجوز، طلبت منها أن تؤويها فرحبت بها، وفي المساء رجع ابن تلك العجوز، ولما حدثته أمه عن الضيفة رحب بها، ولم يسأل من تكون على عادة العرب في استقبال الضيف، وإذا هو الشاب نفسه الذي كانت الصبية قد ساعدته، فغطت وجهها بالخمار كي لا يعرفها، وإن كانت هي قد عرفته.


وأقامت الصبية في ضيافة العجوز أياماً، معززة مكرمة، وذات يوم طلب الشاب من أمه أن تسأل الصبية إن كانت ترضي به زوجاً، بعدما رأت من حاله وحال أمه، وما هما عليه من بؤس وفقر حال، وأخبرت العجوز ضيفتها برغبة ابنها، فوافقت، وكان الزواج.






ومرت الأيام، والزوجان سعيدان بحياتهما، على الرغم من الفقر، ولم يعرف الشاب أن زوجته هي الصبية نفسها التي كانت قد ساعدته، وهي لم تحدثه بالأمر، ولم تعرفه إلى نفسها، وكانا عندما وقعا في البئر في ظلمة الليل وعتمة البئر.‏


وذات يوم نزل بهم ضيوف، وإذا هم الرجال الأربعة أنفسهم الذين كانوا قد نزلوا بالشاب قبل نحو عام، فرحب بهم الشاب، وعرفهم وعرفوه، وذكروا كرمه السابق، وشكروه، وتناولوا معه العشاء، وأخذوا يتبادلون أطراف الحديث ثم صارحوه بأنهم يجدّون في طلب أخت لهم يريدون ذبحها وأخذوا يذكرون البنات ومايجلبن على أهلهن من عار فأكد لهم، وهم يتجاذبون أطراف الحديث أن البنات لسن سواء، ففيهن الشريفة ذات الأصل التي لا تزل، ثم حدثهم عما كان من أمره مع تلك الصبية التي أكرمته وأنقذته، ثم أقسم لهم أنها كانت مثالاً للعفة والشرف والنقاء، حتى إنها وهي معه في عتمة البئر لم ترفع الخمار عن وجهها، ودهش الضيوف لما سمعوا، وأدركوا أن الصبية المقصودة بالحديث هي أختهم.‏


وكانت زوجته وراء الخباء تصغي إلى الحديث كله، وهنا دخلت تحمل القهوة، لتقول لزوجها، والخمار على وجهها: "والآن إذا برزت لك تلك الصبية فهل تعرفها؟"، فأقسم الزوج أمامها وأمام الضيوف أنه لا يعرفها.‏


وازدادت دهشة الضيوف لدخول المرأة عليهم على غير عادة العرب، وإذا هي ترفع الخمار عن وجهها وتقول له: "هذه هي أنا، زوجتك"، ثم تلتفت إلى الرجال لتقول لهم: "لقد تبين لكم الحق، وإذا شئتم فهذه هي رقبتي فاذبحوني، وتركع أمامهم، وهي تسلم رقبتها إليهم.‏


وينهض الرجال ليعانقوا أختهم فرحين بلقائها وببراءتها، وليعانقوا الشاب مهنئين له بالزواج من أختهم.‏


ويدرك الشاب أن زوجته هي تلك الصبية نفسها، وأن الضيوف هم اخوتها أنفسهم، فيزداد ترحيبه بهم، كما يزداد فرحه بزوجته.‏


ويقدم الأخوة إلى أختهم وإلى زوجها الأغنام والجمال والرعاة هدايا لهم، وتتحسن بهما الأحوال، ويطيب لهما العيش وتهنأ لهما الحياة.
[/align][/cell][/table1][/align]