الكبسولة البنية القاتلة رغم استعانة رجال الأمن بخبراتهم الواسعة والكلاب البوليسية وجهاز الـ «FRI» إلاّ انهم لم يتمكنوا من إيجاد الكبسولات البنية التي كانوا يبحثون عنها كان الفريق السري الذي يتابع تحركات العصابة على قناعة كاملة بأنهم هم وراء توزيع تلك الكبسولات إلاّ أنهم لم يستطيعوا إثبات الجرم عليهم .

رغم المعلومات المؤكدة من الانتربول وصلت الأزمة إلى ذروتها عندما بدأ الشباب يموتون أو ينقلون إلى المستشفيات في حالة سيئة لذا كان لابد من إيجاد العصابة بأسرع وقت ممكن انطلقوا إلى جميع أنحاء العالم ينشرون سمومهم هنا وهناك فبعد انهيار دولتهم التي كانت عملاقة في يوم من الأيام أصبحوا هم الآن عمالقة في توزيع المخدرات وبنات الليل ونشر الرعب والقتل المأجور وغير ذلك من الجرائم

معلومات لا لبس فيها

كانت المهمة الموكلة إلى «ك» وعصابته هي توزيع أكبر كمية من المخدرات، وبالطبع كان لابد من الاستعانة ببعض الفتيات الجميلات للقيام بهذه المهمة، حضرت العصابة على أن أفرادها رجال أعمال وفعلاً بدأوا في شراء أنواعاً معينة من قطع غيار السيارات، وقاموا بشحنها إلى بلادهم.

في هذه الأثناء كانت المعلومات الأمنية تشير إلى دخول نوع جديد من المخدرات إلى السوق، وهذا النوع عبارة عن كبسولة بنية صغيرة الحجم إلاّ أنها مركزة جداً. كانت كمية الكوكايين فيها من الملغرام أما بقية الكبسولة فقد كانت من المخدرات المصنعة كيميائياً خاصة من مادتي الأفدرين والفيدرين، من هنا كانت تركيزها قوياً وكان المتعاطي يدمن عليها من أول مرة.

بدأت الكبسولة في الانتشار سريعاً ومع هذا الانتشار غير المسبوق كانت الأجهزة الأمنية تسابق الزمن لوقفها ولإلقاء القبض على المروجين لها حتى لا يدمنها أكبر عدد من الشباب. وقد أشارت التقارير السرية إلى أن العصابة التي تقوم بتوزيع هذه الكبسولات تأتي بها جاهزة من الخارج ولكن هناك نية لتصنيعها في الداخل لأن عملية التصنيع لا تحتاج إلى معدات كثيرة أو كبيرة فالمادة الكيميائية الرئيسية التي تدخل في التصنيع متاحة في السوق كمادة أولية.

كانت هذه المعلومات تصل أولاً بأول إلى الأجهزة الأمنية عن طريق الانتربول، كما ان المعلومات أشارت أيضاً إلى أن عدداً من أفراد العصابة سيصلون إلى أحد المطارات قريباً وهم يحملون تلك الكبسولات، تم توزيع صور أفراد العصابة التي وصلت عن طريق الانتربول على جميع الأجهزة الأمنية وصدرت الأوامر بتفتيشهم تفتيشاً دقيقاً كان المشتبه بهم رجلين وامرأتين ومعهما طفلة عمرها نحو «6» أشهر وأخيراً وصلوا إلى المطار، كانت إجراءات التفتيش في المطار صارمة جداً .

حيث تم تفتيش حقائبهم تفتيشاً دقيقاً وعندما لم يتم العثور في الحقائب على شيء تم اخضاعهم للتفتيش الذاتي إلاّ أن كل هذه الإجراءات لم تسفر عن وجود الكبسولات وأخيراً تم تصويرهم عن طريق جهاز الـ «ئزة» وهو جهاز دقيق ذو تقنيات متطورة حيث يصدر مجالاً مغناطيسياً قوياً لمعرفة ان كانوا يخفون الكبسولات في أمعائهم إلاّ أن الجهاز أظهر أن لا أثر للمخدرات في أمعائهم.

تكرر هذا النوع من التفتيش أكثر من خمس مرات حتى أصبح الفريق السري الذي يتابعهم مقتنعاً بأن هؤلاء الأشخاص أبرياء وليسوا في دائرة الاتهام وان معلومات الانتربول غير دقيقة بدليل أنهم يخضعون في كل مرة هم وحقائبهم إلى تفتيش ذاتي وإلى تصوير بجهاز الـ «ئزة» ولا يعثر معهم على أي شيء يدل على أنهم هم وراء انتشار الكبسولة البنية.

مع تكرار سفرهم ونوعية البضاعة التي يشترونها «قطع غيار للسيارات» أصبح التركيز عليهم قليلاً وبدأ الفريق السري يبحث في اتجاه آخر خاصة بعد أن تبين أنهم متزوجون وان أحدهم له الطفلة التي عمرها نحو «6» أشهر، فليس من المعقول ان يعرض زوجته وابنته لمثل هذه المواقف، لذا بدأ الفريق السري يبحث عن مجموعة أخرى قد تكون وراء الكبسولة البنية.

موت في الشارع

في هذه الأثناء جاءت معلومات تفيد بموت أحد الأشخاص في شارع خلفي من الشوارع المعروفة بأن عدداً من متعاطي المخدرات يقصدونها وبعد الفحص للجثة في المختبر الجنائي تبين أن سبب الوفاة هو أخذ المتوفى لكبسولتين من الكبسولات البنية، بموت هذا الشاب أخذت المسألة طابعاً أكبر من التحدي لرجال الأمن ومما زاد الأمر خطورة معلومات وصلت من الانتربول تفيد بأن العصابة ستقوم بإدخال كميات كبيرة من هذه الكبسولات قبل أن تبدأ في إنتاجها في الداخل.

كثفت الأجهزة الأمنية نشاطها في كل الأحياء والأزقة والطرقات والمطاعم والمقاهي وأصبح الوصول إلى العصابة واعتقالها مسألة حياة أو موت. بدأ الأمل يبزغ عندما تم اعتقال أحد المروجين وبعد التحقيق معه أفاد بانه يحصل على هذه الكبسولات من شخص لا يعرف اسمه ولكن يعرف شكله فقط، هنا قام الضابط بعرض مجموعة من صور الأشخاص المشتبه بهم حيث أشار إلى واحدٍ كانت صورته من بين تلك الصور تم وضع الشخص تحت المراقبة الشديدة وبعد ثلاثة أيام التقى هذا الشخص مع شخص آخر تبين انه هو الآخر في موضع شبهة.

كانت عمليات التنسيق بين الأجهزة الأمنية والانتربول في أعلى مستوياتها، خاصة بعد تحديد الدولة التي تُنتج هذه الكبسولات لذا كان أفراد هذه الدولة يخضعون لرقابة صارمة. جاءت معلومات جديدة من الانتربول بأن الرجلين والسيدتين سيصلون قريباً وانهم في كل مرة يحملون معهم هذه الكبسولات، استعد رجال الجمارك للصيد الثمين في حين كانت الأجهزة الأمنية جاهزة لاستخدام القوة إذا لزم الأمر للقبض على أفراد العصابة.

كان الكل متوتراً، وزاد التوتر عندما وصلت المجموعة إلى سُلم الحقائب لأخذ حقائبهم، حيث كانت العيون كلها مشدودة إلى تلك الحقائب عندما أخذوا حقائبهم تم اقتيادهم إلى غرفة خاصة أُعدت خصيصاً لاستقبالهم، كانت الإضاءة في الغرفة عالية جداً وتم إحضار خبراء في الكشف عن المخدرات لتفتيش الحقائب.

قام الرجال بتفتيش دقيق للحقائب حيث فتشوها مرتين وثلاث وخمس مرات لكنهم لم يعثروا على أي شيء، وهنا طلب الضابط إدخال الكلاب البوليسية الخاصة بالكشف عن المخدرات التي اشتمت الحقائب دون أن تحرك ساكناً.

أحس الضابط وفريق التفتيش بالإحباط خاصة بعد أن تم تفتيش الرجلين والسيدتين تفتيشاً ذاتياً ولم يوجد معهم شيئاً إضافة إلى تصويرهم عن طريق جهاز الـ «ئزة»، وهنا اعتذر لهم الضابط وطلب منهم أخذ حقائبهم والانصراف. لكن ومع كل هذا بقي الأشخاص تحت المراقبة في كل تحركاتهم وفي الفندق الذي يقيمون فيه.

بعد يومين من وصولهم توجه الرجلان إلى إحدى المناطق الصناعية حيث دخلا إلى ورشة وبدءا في معاينة قطع غيار السيارات المستعلمة، وأخيراً جلسا مع صاحب الورشة أمام ورشته على الشارع العام وهم يشربون الشاي ويتناولون بعض الحلوى.

بعد نحو نصف ساعة جاءت السيدتان ومعهما الطفلة وانضموا إلى الجالسين في الهواء الطلق، كان الوضع أشبه ما يكون بحفلة عائلية، وكان من الواضح أنهم يتعمدون الجلوس جميعاً على الشارع العام وأمام المارة ليبعدوا أي شكوك نحوهم، وبعد فترة انصرف الجميع كلاً إلى جهته.

وُضعت الورشة تحت المراقبة وأخيراً تبين أنه لا يوجد نشاط غير عادي فيها وان الذين يترددون عليها هم العمال الذين يعملون فيها أو زبائن يأتون لإصلاح سياراتهم. من ناحية ثانية كانت المكالمات الهاتفية الخاصة بالرجلين والسيدتين تدل على أن موعد مغادرتهم سيكون قريباً، ورغم أن تفتيشهم عند وصولهم إلاّ أنه تم تفتيشهم لعل وعسى ولكي يعرفوا بأنهم موضع شك وريبة.

وبالطبع لم يكن هناك معهم أو في حقائبهم أي أثر للمخدرات حيث تم عرض حقائبهم على الكلاب البوليسية في غضون ذلك وصلت إلى الأجهزة الأمنية معلومات مفادها أنه تم نقل شاب إلى المستشفى وهو في حالة الخطر بعد تناوله لكبسولتين من الكبسولات البنية، كثف رجال الأمن جهودهم وأصبح الأمل أمامهم هو إنقاذ الشاب لعله يدلي بمعلومات تفيد عن مصدر تلك الكبسولات.

استمر الشاب في المستشفى لنحو اسبوعين وبعد أن تعافى أدلى بمعلومات مهمة مفادها انه يأخذ تلك الكبسولات من عامل يعمل في إحدى الورش الصناعية الخاصة بالسيارات، كانت هذه بداية مهمة من أجل الوصول إلى العصابة وعندما سُؤل ان كان يعرف شكل العامل أو اسمه قال بانه يعرفه جيداً لأنه يُصلح سيارته عنده ثم أدلى باسمه وأوصافه.

واسم الورشة واسم صاحبها حيث تبين أن هذه الورشة هي نفسها التي زارها الرجلان والسيدتان قبل فترة. في ظل هذه المعطيات الجديدة كان من السهل اعتقال صاحب الورشة و العامل الذي معه، لكن الهدف كان أكبر وهو الوصول إلى العصابة وإلقاء القبض على أفرادها.

العودة من جديد

لم يطل غياب الرجلين والسيدتين في الخارج حيث عاد الأربعة ومعهم ابنتهم الصغيرة، كانت المعلومات توصي بعدم اعتقالهم في المطار إلاّ إذا تبين بالدليل القاطع بأنهم يحملون مخدرات، أما الاعتقال بسبب الشك فهذا أمر غير جائز، كما انه قد لا يوصل جهات التحقيق إلى أفراد العصابة، كانت المعلومات التي وصلت من الانتربول تؤكد بأن الأربعة يحملون ما بين «120 ـ 150» من الكبسولات البنية.

عندما وصل الأربعة إلى المطار كان أفراد الجهات الأمنية في انتظارهم حيث تم تفتيش حقائبهم بشكل دقيق لكنه لم يتم العثور على شيء هنا أمر الضابط بتمزيق الحقائب واستخراج أي شيء فيها فلعل هناك جيوباً سرية إلاّ أن ذلك لم يؤد إلى نتيجة، وهنا أمر الضابط بعرض الحقائب وما فيها على الكلاب البوليسية لكنها لم تبد اهتماماً بالأمر مما يعني أن الحقائب سليمة، تم إدخال الرجلين والسيدتين إلى غرف خاصة بالتفتيش الذاتي لكنه أيضاً لم يعثر معهما على شيء، تم تصويرهم عن طريق جهاز الـ «FRI» لكن المعطيات كلها أثبتت بانه لا يوجد مخدرات معهم.

كانت الطفلة تجلس في مكان بعيد حيث وضعتها أمها هناك بعد أن بدأت تصرخ عندما شاهدت الكلاب البوليسية، ولكن فجأة مزق الكلب البوليسي يد الشرطي الذي يمسك به واندفع مسرعاً نحو الطفلة ووثب عليها وبدأ يمزق ثيابها بأسنانه.

اندفع الضابط والشرطة نحو الكلب في محاولة لإنقاذ الطفلة حيث بدأت الدماء تسيل منها، لكن الكلب بقي ممسكاً بها محاولاً تمزيق جسدها كانت الطفلة تصرخ بصوت عالٍ والدماء تتدفق من كل جزء من وجهها وجسمها الصغير، وهنا أمسك الضابط بمسدسه وأطلق رصاصة على الكلب وقتله.

تجمع الناس حول الصراخ وحول هذا المشهد الغريب وغير المألوف خاصة مع إطلاق الرصاص، قام الضابط بالاتصال بطائرة هيلوكبتر حيث تم نقل الطفلة إلى المستشفى بين الحياة والموت. التفت الضابط إلى الرجلين والمرأتين فلم يجدوهم فقد استغلوا انشغال الجميع بالطفلة وهربوا تاركين حقائبهم والطفلة وحتى جوازات سفرهم تم التعميم عليهم في الفنادق والشقق السكنية لكنه لم يكن لهم أي أثر، تمت مراقبة الورشة حيث تبين أنهم هناك، بعد أخذ الإجراءات القانونية تمت مداهمة الورشة حيث تم إلقاء القبض عليهم.

في غرفة التحقيق اعترفوا بانهم كانوا يجلبون الكبسولات في حفاظة الطفلة كما اعترفت الأم بان الطفلة ليست ابنتها وان العصابة اشترتها لها من إحدى العصابات الخاصة بالاتجار بالبشر بـ «1800» دولار. وأضافت «الأم المزعومة» بانها كانت تتعمد وضع الطفلة في مكان بعيد في أثناء التفتيش خوفاً من ان تشم الكلاب البوليسية رائحة المخدرات في حفاظتها.

كما انها كانت تجعلها تأخذ نوعاً من المخدر الخفيف المذاب في الحليب قبل الوصول بربع ساعة حتى تنام الطفلة ويسبب لها نوعاً من الإسهال حتى تبدو حفاظتها لو تم تفتيشها على فرض «مقززة»، فلا يرغب أحداً في إكمال تفتيشها.

وأضافت بانها لا تدري لماذا حدث كل هذا هذه المرة فقد كان الكلب يبدو وكأنه مسعوراً، فقد سبق وان تم إدخال الكثير من الكبسولات عبر حفاظة الطفلة دون أن يتم اكتشافها من قبل. أما صاحب الورشة فقد اعترف بانه كان يقوم بتوزيع الكبسولات عن طريق الزبائن الذين يترددون على الورشة بحجة إصلاح سياراتهم.

حيث كان يقوم في أثناء إصلاح السيارة بوضع عدد من الكبسولات المتفق عليها في علبة «لامبات» الأضواء وبعد أن يخرج الزبون بسيارته يقوم بفتح علبة الأضواء وأخذ ما بداخلها وتوزيعه على الزبائن وهكذا، كما اعترف أيضاً بانه تم تركيب بعض الآلات في ورشته لتصنيع الكبسولات فيها بدلاً من إحضارها من الخارج حيث إن هذه الآلات لا تلفت نظر أحد باعتبارها إحدى الآلات الخاصة بإصلاح ماكينة السيارات.