شمس الحرية
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
يشرب ناظم حكمت القهوة في كافتيريا صغيرة على الحدود، ويكتب الشعر بقلم أخضر . . إلى جانبه قارورة عطر وباقة ورد وامرأة تحدّق في عينيه .
لا أدري لماذا يخطر لي دائماً، بل يخطر لأولئك الذين يتغذّون على الحلم كما يتغذون على الخبز أن الشعراء دائماً يسيرون على الحدود مثل أطفال بلا آباء . . أطفال ضالون مثل العشب الذي ينمو تحت شمس أيلول . هكذا كان ناظم حكمت مدعواً في ليلة كسوف القمر لأن يكتب الشعر من أجل بشر مسافرين كالغجر على قصائد لوركا .
إنه الرحيل البشري أو موسم الهجرة إلى الشمال، الرواية التي لم يكتبها الطيّب صالح، وإنما يكتبها الخوف هذه المرة . . المرأة خائفة والطفل خائف، والرجل يجمع بقايا عظام طيوره في صرّة من الخيش ويحمل معه الذكريات، وهو يغادر إلى المجهول .
الأشجار، أيضاً، تهاجر .
والشعراء هم من يتحدّون دموعهم، لكي لا تسقط على التراب والأزهار، وهم يرون هجرة الأشجار التي كأنها لم تشأ أن تفارق أهلها في هذا الرحيل .
أهوَ رحيلٌ أم فرار أم هرب؟
أياً كانت الصفة، فثمة من يحمل قلبه على يديه، ويتوجه إلى حيث يمكن له أن يحتفظ برأسه أو بذاكرته، فإذا انتهت الرحلة، أو كادت أن تنتهي . . يمكنه أن يكتب الشعر أو يكتب النثر طالما قلبه لم ينكسر وروحه قابلة للحياة .
من قلب الحرب ومن قلب الحب يخرج الشعر . . ذلك الشعر الأخضر كالسنابل والمرايا التي تحتفظ بالعيون الأشبه بالحقول .
يقال إن الشعر مادة السعادة، أمّا النثر فهو مادة الوحشة . . هذه المرارة التي تجتاح الإنسان في أقصى درجات عزلته .
الإنسان، هذا الكائن البلوري المصنوع من التراب يرحل أيضاً في ذاته . يدفن نفسه في نفسه، يهرب من ذاته إلى ذاته، ويفرّ من كينونته إلى كينونته، لكي ينجو من الموت، هذا الموت المادي والموت المعنوي الذي يصنعه الطغاة في الليل دائماً حتى لا تراهم الطيور ولا الأشجار .
ولكن، بعد كل ليل . . ثمة نهار .
في الضوء الذي يرمز إلى الحرية يرفع الإنسان رأسه إلى الشمس مثل زهرة عبّاد الشمس، يرفع رأسه وهو يرحل من بلاد إلى بلاد، ومن سفر إلى سفر .
في الضوء . . الذي هو قميص أبيض مثل راية الصيف يتقدم الإنسان إلى حريته . . إلى مصيره الذي لا بد أن يصل إليه بعد سنوات من الموت في غابة من الأصوات والصخب .
ومثلما يغتسل الإنسان لكي يتطهّر، هو أيضاً يغتسل بشمس الحرية . . لكي يتطهر أيضاً .