|
|
“جليد” صنع الله إبراهيم
يقدم صنع الله إبراهيم في روايته الأخيرة “الجليد” مشاهدات وانطباعات طالب دراسات عليا عن مجتمع الاتحاد السوفييتي في النصف الأول من حقبة السبعينات من القرن الماضي، يستدعي إبراهيم في الرواية لمحات من حياة الدكتور شكري بطل روايتيْ “أمريكانلي” و”القانون الفرنسي” أثناء استعداده للحصول على الدكتوراه في التاريخ وإقامته في بيت للطلاب في موسكو يضم شخصيات تنتمي إلى بلدان مختلفة .
تدور أحداث الرواية في عام 1973 وتتماس من بعيد مع حرب أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، وفي جمل سريعة مقتضبة يورد إبراهيم ردود فعل الطلبة العرب على وقائع الحرب، وبطريقة خاطفة يقرر الراوي تسجيل المناخ السياسي المصري بمتغيراته المهمة آنذاك من خلال تتبع الصحف وقدرتها على الأرشفة الفورية .
يستعيد إبراهيم هنا تقنية كان قد استخدمها في رواية “ذات” واعتمدت بشكل كبير على الرصد المجتمعي من خلال الصحافة، إلا أن قارئ “الجليد” لا يجد زخم “ذات” في الرواية الجديدة وكأنها نية لم يكملها الروائي أو توجيه للآخرين بأهمية الصحافة في التأريخ .
بطل الرواية متوحد يفشل في معظم علاقاته الاجتماعية، يطالع المتلقي في “الجليد” شخصيات منكسرة ولا يلتفت السرد كثيراً إلى توضيح الأسباب النفسية لهذا الانكسار . مجموعة من الأفراد يضمهم بيت الطلاب نتعرف فيهم إلى: الروسي، الألماني، البرازيلي، العربي . . إلخ لا هدف لهم إلا الحديث عن العلاقات العاطفية .
صورة الاتحاد السوفييتي في الرواية نمطية . . هو “الستار الحديدي” النظام الشمولي المغلق، الفساد والسوق السوداء والتهريب مفردات يجدها القارئ كثيراً في السرد . في النهاية لا يجد المطالع نفسه إلا أمام بطل يتأمل ذاته العادية جداً والواقعية والتي لا تلتفت إلا إلى شأنها اليومي الاعتيادي ولا تتورط برأي أو رد فعل في ما يحدث حولها إلا نادراً .
لا يمكن لأيه قراءة عابرة أو معمقة أن تفرض على المبدع كتابة ما، ولكن هناك توقع المتلقي تجاه المؤلف والموضوع، فالدكتور شكري في “أمريكانلي” يقدم رؤية سياسية متماسكة وواضحة لأستاذ مصري تستضيفه إحدى الجامعات الأمريكية ليدرس التاريخ العربي لمجموعة من الطلبة الأمريكيين، حيث وجدنا أنفسنا في الرواية أمام زخم وجهات النظر المتعددة في التاريخ، وفي “القانون الفرنسي” سنعثر على الزخم نفسه عندما يسافر شكري إلى باريس لحضور أحد المؤتمرات العلمية حول الآثار الثقافية للحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام نهاية القرن الثامن عشر .
الروايتان فرضتا توقعاً معيناً بالنسبة لقارئ الرواية الثالثة خاصة وتزامن أحداثها مع لحظة مفصلية في التاريخ العربي المعاصر وفي مكان ثرٍ بدلالاته السياسية والثقافية، ومن هنا جاءت أزمتها وعدم انسجامها مع سابقتيها .