أمين معلوف في هوياته المختلفة
شوقي بزيع
* دار الخليـج
لا أعتقد أن انضمام الكاتب اللبناني أمين معلوف إلى الأكاديمية الفرنسية قد فاجأ الكثيرين من قرائه ومتابعيه، وهو الذي ما زال منذ ثلاثة عقود من الزمن يفاجئنا بقوة خياله وعمق معرفته وقدرته غير المحدودة على الخلق والابتكار .
والحقيقة أن صاحب “الحروب الصليبية كما يراها العرب” لم يكن عليه أن ينتظر طويلاً لكي يقنعنا بموهبته الإبداعية والروائية، بل بدا منذ بواكيره الأولى ممسكاً بناصية السرد وقادراً على المواءمة بين التاريخ والرواية من جهة وبين بساطة الأسلوب وانفتاح المعنى على شبكة من الإيحاءات من جهة أخرى، لا بل إن الشعر نفسه ليس غائباً عن روحية معلوف الظامئة أبداً إلى التحليق فوق الواقع وتجاوز سطوحه الظاهرة رغم إلحاح الكاتب على لجم شاعريته وترويض نزوعها الدائم إلى التفتح الوجداني .
قد لا تكون المصادفة وحدها هي التي أخرجت أمين معلوف من دائرة العمل الصحفي في جريدة “النهار” اللبنانية إلى دائرة الكتابة الروائية التي لازمته بعد مغادرة وطنه الأم بفعل الحرب والتحاقه بالعاصمة الفرنسية في عام ،1977 ذلك أن هذا الانتقال بدا قدراً ملازماً للكثير من اللبنانيين والعرب الذين تركوا أوطانهم إلى المهاجر البعيدة طلباً للأمان وبحثاً عن لقمة العيش، ولكن قلة قليلة من بينها جبران والريحاني، ونعيمة، وجورج شحادة، وأمين معلوف، هي التي حوّلت مأزقها الحياتي إلى مأزق وجودي متصل بالكينونة والفكر وسؤال الهوية .
والحقيقة أن موهبة أمين معلوف بالذات لا تتصل بالشخص نفسه فحسب، بل بتلك التربة العائلية الغنية التي ترعرع في كنفها صاحب “حدائق النور” والتي ضمت إلى الاهتمام بالتاريخ الذي ظهر عند جده عيسى إسكندر المعلوف شغفاً عالياً بالشعر تمثل في الدوحة المعلوفية النهضوية التي أطلعت شعراء متفردين من وزن فوزي وشفيق ورياض المعلوف .
على أن كل تلك العوامل لم تكن لتبلغ ضالتها لولا إيمان أمين معلوف الراسخ بقدرة الكتابة على تغيير العالم وإعادة صياغته بما يتناسب مع حاجة البشر إلى العدالة والحرية وتكافؤ الفرص، وحاجتهم المماثلة إلى زعزعة بعض المصطلحات والمفاهيم الدوغمائية الراسخة في أذهانهم حول الفكرة القومية أو حدود الدول أو سؤال الهوية .
كتابة أمين معلوف بهذا المعنى لا تأخذ قيمتها من رشاقتها السردية أو مهاراتها التأليفية فحسب، بل من اتصالها الوثيق بظهيرها “الرسولي” المتمثل بحوار الحضارات وتلاقح المعارف وبروح التسامح والانفتاح المستمر على الآخر المختلف .
تبدو روايات معلوف من هذه الزواية وكأنها منتقاة بعناية وعن سابق قصد لكي تخدم الفكرة الجوهرية التي لم يحد الكاتب عن الدعوة إليها في كل عمل جديد له والتي ترى إلى الإنسان بوصفه مواطناً في العالم وجزءاً من القرية الكونية التي ينبغي ألا تشكل الحدود المصطنعة للدول أي عائق يذكر أمام تضافر أهلها في وجه الظلم والفقر والجهل والاستحواذ والموت .
إن من يتتبع أعمال أمين معلوف لا بد من أن يلاحظ ذلك الشبه الدائم بين أبطاله الذين لا تشكل مساقط رؤوسهم سوى ذلك الجزء الناجز من هويتهم الشخصية فيما تظل الأجزاء الأخرى رهناً بمشيئتهم بالذات، وبذلك البحث الدائم عن أفق آخر للهوية الناقصة .
وأعتقد أن هذا الموضوع لم يكن ليشكل عصب الكتابة في نتاج معلوف لو لم يكن هو بالذات جزءاً من هذه الإشكالية المتمثلة بثنائية الهوية لديه هو الذي يحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية والذي كتب مجمل أعماله باللغة الفرنسية رغم إتقانه التام للغته الأم، ولعل كتابه المميز “الهويات القاتلة” هو المعادل الفكري أو النظري لأعماله الإبداعية المختلفة وبخاصة “ليون الإفريقي” و”سمرقند” و”صخرة طانيوس” و”الحروب الصليبية” و”رحلة بلداسار” حيث الأبطال مهاجرون دائمون من بلد إلى بلد، ومن انتماء إلى انتماء، ومن لغة إلى لغة .
لقد ترك أمين معلوف بصمته المؤثرة في جسد الرواية العربية التاريخية على وجه الخصوص . صحيح أنه لم يبتكر هذا النوع من الكتابة الذي سبقه إليه جرجي زيدان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونجيب محفوظ في أواسط القرن العشرين، ولكنه ذهب بهذا الفن إلى نهاياته حيث الرواية لا تكتفي بالاتكاء على الواقعة التاريخية، بل تخترقها وتعيد تظهيرها في مواءمة بارعة بين الحقيقة والوهم وبين الواقعي والمتخيل .
لقد استحق أمين معلوف انضمامه إلى “مجمع الخالدين” بالموهبة والجدارة كما بقدرته على إثراء اللغة الفرنسية بأسباب الجدة والتنوع والمغايرة، وهو الطالع من روح الشرق وتربته الغنية بالأساطير والديانات ولهب الشموس الحارقة .
وكما هو لبناني بامتياز وفرنكوفوني بامتياز ومتوسطي بامتياز، فهو في الدائرة الإنسانية الوريث الشرعي لسانت أوكزوبري و”للأمير الصغير” الذي يضيق ذرعاً بالدول المصطنعة والعصبيات الممهورة بالحقد والدم ليقيم مملكته في عالم الحب والتسامح والهناءة الفردوسية .