|
|
مع محمد عريقات وعبدالله أبو بكر
موسى حوامدة
* الدستـور الاردنيـة
ليحتسي النهار فضته، ولتحرق ربات الشر خيوط نولها الجهنمي، ولتختبئ تلك الساحرات وهنَّ يخفين مكائدهن، لتسكت جدران النميمة عن تكريس قيم الماضي التليد، وإعلان الحداد الأبدي على الراحلين، والوقوف عند إغلاق باب المقبرة على من (سقط زندهم)، وتلاشت (حماستهم)، وتحنطت صورهم، ونطقت مومياءاتهم بتأتآت صارت نشيداً وطنياً للهوام والخنافس.
هناك من يؤمن بالماضي، فقط، وهناك من يعجز عن فهم تحولات الكون والمجرات والبشر، فلا يرى ولا يريد أن يرى صورة الجديد والمتجدد والطازج.
ولأني لا ألبس نظارات سوداء كما يفعل لصوص الكتب أرى، دائماً، الخير في من يولدون من بعدنا، والزمان لا يغلق أبوابه على من مضوا، أما الحياة فهي لا تريق ماء وجهها لمن قال: أنا آخر الخليقة وخاتم العبقرية. فالإبداع لا ينقطع، والشعر لن يتوقف، والجمال ليس ماضوياً، فقط، أو قديماً يورث، فكل يوم تطل شمس نهار جديد وهي تفتح دفاتر لم تمسها أقلام من قبل، وتكتب سطوراً قليلة في نهر القصيدة، وفي كل ربيع تنبثق أزهار أودنيس حاملة معها شذى العام الجديد بطعم ليس، بالضرورة، أن يكون مألوفاً ومعروفاً أو مجرباً.
هم مختلفون عنا، ومن الضروري أن يكونوا كذلك، وأن يختلفوا حتى مع بعضهم بعضاً، بل حتى مع قصائدهم.. هؤلاء الشعراء الشباب جاؤوا بتجاربهم وحدهم، حملوا مسؤولية التجديد وحدهم، عرفوا أن الفرادة في التجريب وليست في التقليد، والتميز في الابتكار وليس في حرث أوراق الكتب واقتباس الأسطر أو تذويبها في حليب الصباح.
علينا أن نعترف لهم بالحضور، وإن كنا نريد لأنفسنا ترسيخاً أكثر فلا يكون بإقصائهم، والقفز عليهم وعلى تجاربهم الجديدة، والإشاحة عن قدومهم وميلادهم.
وللإنصاف ظهر جيل من الشعراء لدينا؛ جيل متميز لا يتكئ على صوت معين، بل هضمَ الأصوات كلها، وتفرد يتغريده الخاص. فهذا محمد عريقات كأني به قد استشعر ما سأقول، فكتب:
"أنا شاعرٌ جاهليٌّ فضتُ على القافيةِ
وقادت فعولن الذئبَ إلى قصيدتي
من أذنه..
وداستني الناقة في طريقها بي
إلى الفندُقْ."
وها هو يبتكر صوره بمفرده:
"كيفَ حالُ ابنكَ، يا أبي؟
صفّقْ لنطفتكَ.. إنها ترقصُ فوقَ الرّصيفِ"
مرحباً بهذه النطف الجميلة، التي صارت تعتلي المنابر وهي ترفع قيمة الشعر وقيمة الإبداع، وتعلي من شأن الجمال والقصيدة.
أما الشاعر عبدالله أبو بكر فهو يخطف الصورة من عين البحر، رغم أنف البحر وأنف النمطية، وأنف الكلام الكثير عن استهلاك التفعيلة والعروض لأغراض الشعر:
"في ذات المقهى/
كنت وحيداً أتوسمُّ أن تأتي/
لكنكَ/
حين اطلتَ غيابك.. فِيَّ/
على كرسيّكَ جلسَ البحرْ!"
شاعران مختلفان عنا وعن بعضهما، متميزان بلغتهما الخاصة، وهما شجرتان باسقتان في غابة الشعر، التي تضم، أيضاً، مهند سبتي، وخلدون عبداللطيف، وأحمد يهوى، وسلطان القيسي، وبريهان الترك وغيرهم من شعراء الزمن الجديد والجميل.
لم يرتكبوا أخطاءنا، ولم يتعثروا، كما فعلنا، كأنهم ولدوا مكتملين وناضجين، لا يحتاجون، حتى لمساندتنا أو محبتنا.