قهوة المرأة مرة

أسماء الزرعونـي

* دار الخليـج





عين المرأة دائماً لا تبرح الرجل، فهو المناصف لها في كل شيء . وحتى لانكون تحت مظلة المنافسة نقول، كما يردد دائماً، هي نصف المجتمع، ولكن هل هي حقيقة نصف المجتمع؟

ثمة مجاملة لطيفة تدعي أن المرأة هي ثلاثة أرباع المجتمع بمعنى أنها زوجة وموظفة وربة بيت . . ثلاث مهمات في قلب امرأة واحدة تتقاسمها الحياة على هذا المنوال بلا كلل أو نصب، وهذا ما ندعيه نحن تلطفاً . وماذا يعمل الرجل؟ موظف يجلب المال للبيت ويصرف . ربما حتى الأولاد ترك مهمتهم للزوجة . هنا أتحدث عن المرأة العاملة التي تختلف حياتها جذرياً عن طبيعة حياة المرأة ربة المنزل ذات البعد الواحد .

هنا تأتي المتعلقات أو الاضافات الأخرى لشخصية المرأة العاملة . كوب قهوة مرة تعدل المزاج صباحاً، وتضفي على مرارة ما ستستقبله خلال يومها من مسؤوليات أيضاً مرة، ورأسها يعج ويتكدس بكل المسؤوليات المحيطة . تبدأ صباحها قبل الرجل وتخرج معه عند الساعة السابعة والنصف . ولا ننسى أيضاً استعداداتها الصباحية قبل الخروج للدوام، وقبل ان تفتت صداعها الصباحي بكوب قهوة مرة، تأخذ منها وقتاً لا يقل عن الساعة . البعض منهن تحب أن تبدو بين نساء المدينة اللامعة بمظاهر الترف أقل حظاً من الزينة، ولو حتى بالشيلة أو العباءة المطرزة، ورسم قلم الكحل والمكياج الخفيف . وطبعاً هذا لا يحدث إلا بعد الاطمئنان على ذهاب أبنائها وبناتها الى المدرسة . لتنطلق هي في رحلة الساعات المحسوبة بكل التفاصيل المملة . الرجل لا يتحمل مثل هذه الأعباء .

وقد لا يعنيه أن تتأخر زوجته عن دوامها . ويعنيه جداً أن تتأخر عن البيت فهي بين مطرقة الزوج وسندان المدير . كوب قهوة مرة يذكرها بكل مراراتها اليومية، ويلذع ذاكرتها المشغولة بالتطلعات .

هذا واقعنا نحن النساء العاملات . الرجال لا يهمهم كثيراً ما نعانيه، ويهمهم أيضاً ان يرونا بصورة جميلة .

هنا أتساءل، واسمحوا لي أن أتخلف قليلاً عن ركب النساء اللاتي ينادين بمساواة المرأة بالرجل، وأعبر بملء ما يحمله قلمي من معاناة . . لا نريد هذه المساواة التي تحملنا فوق طاقتنا الانثوية، ما دمنا لا نلبس كالرجال، ولا نتصرف مثلهم، ولا نفكر كما يفكرون .

المرأة في أوروبا تعاني أيضاً من نظرة الرجل الدونية لها . حتى لو تقدم لها بأكاليل الورود تلمساً لغواية مسروقة، فهو لا يمكن أن يضعها في الحيز الذي يقف داخله . إضافة الى القوانين الصارمة التي تثقل كاهل المرأة العاملة هناك، ولا تنظر اليها بعين الرأفة فهي آلة منتجة فقط .

لنعد الى هنا في بلدنا . كم نحتاج نحن النساء العاملات إلى أن تخصص لنا أوقات ملائمة لطبيعتنا نداوم خلالها، تبعدنا عن الزحام الصباحي، وتقينا مغبة الدخول والخروج بمعية الرجال، حتى لو اقتص ذلك من راتبنا الشهري، مع العلم أن المرأة يفترض أن تكافأ على مسؤوليتها الاضافية بتربية نشء صالح للوطن . عندها لن تلجأ المرأة للبحث عن مسكنات مثل كوب قهوة مرة تنسيها مرارة يومها المزعج .