|
|
أغلبيات أقلّ صمْتاً
خيري منصور
* دار الخليـج
أطلق متظاهرون في القاهرة وبعيداً عن ميدان التحرير في منطقة روكسي على أنفسهم اسم الأغلبية الصامتة، التي آن لها أن تتكلم، والمهم ليس نقطة التقاطع أو الخلاف بين روكسي والتحرير، فهي متعلقة بأمر واحد فقط هو الموقف الشعبي من المجلس العسكري الذي يدير شؤون العباد وشجون البلاد في مصر . وقد تكون هذه بداية ظاهرة سوف نرى تمددها عربياً ما دامت العدوى قد أصبحت سهلة الانتقال، لأنه ما من أحد تلقح أو يمكن له أن يتلقح ضد التغيير في هذا الوقت العاصف .
الأغلبيات الصامتة مصطلح لا يعني بالضرورة أن هناك أقليات ثرثارة، وهو مصطلح قديم يعني هؤلاء الذين ينهمكون في تصريف أمور حياتهم ولا يخرجون عن صمتهم إلا إذا أحسوا بأن من ينوبون عنهم لا يلبون بالضرورة أشواقهم وهواجسهم . وحقيقة الأمر أن مفهوم الأغلبيات الصامتة يشمل العالم بأسره، فالناس ليسوا كلهم ناشطين أو ذوي رؤى سياسية تفرض عليهم حراكاً معاً لمصلحة حزب أو نظرية أو فكرة، لكن هذه الأغلبيات رغم تأخرها النسبي في إبداء الرأي بما يجري حولها هي في النهاية ما يحسم الخيارات السياسية لأنها من خلال صناديق الاقتراع تشكل أغلبية في الأصوات، خصوصاً إذا أقبلت على الانتخابات وشعرت أن لصوتها قيمة وفاعلية، وأنه ليس مجرد رقم قابل للشطب أو التزوير .
هذه الأغلبيات رغم تحفظها في بادئ الأمر وانتظارها نضوج الأحداث ذات نفوذ واسع، ليس فقط بسبب النسبة الديمغرافية، بل لأنها تصنع مزاجاً شعبياً ومناخاً سياسياً، يدفع الأقليات الناشطة والمتنافسة إلى استرضائها، اللهم إلا في تلك الحالات الشاذة التي يحول فيها احتكار النخب للسلطة من دون مشاركتها، ولا نظن أن التغيير حتى في أدنى مستوياته يتيح ذلك، لأنه عندئذ يتحول إلى إعادة انتاج لما تمت الثورة عليه .
والمسافة بين الشعارات التي رفعت في روكسي وتلك التي رفعت في التحرير في الظهيرة ذاتها أبعد من المسافة الجغرافية أو المكانية بين الساحتين، فثمة من وجهوا النقد وأحياناً العتاب للمجلس العسكري على التباطؤ في المحاكمات لمن اتهموا بالفساد بشقيه السياسي والاقتصادي في ميدان التحرير، مقابل من هتفوا لمصلحة المجلس والجيش في روكسي، بل كانت بعض الشعارات تؤكد الحرص على تبرئة المجلس من أية اتهامات تم تداولها في ميدان التحرير .
وهذه ليست المرة الأولى التي تتعدد فيها الميادين، وبالتالي الشعارات في العواصم العربية، التي شهدت حراكاً سياسياً، فما من عاصمة خلت من مثل هذا التعدد في الميادين، ما دامت هناك موالاة ومعارضة بغض النظر عن نسبة أي طرف من الطرفين .
ومن ينتقدون المجلس العسكري في مصر يقولون إنهم يفرقون بينه وبين الجيش لسبب واحد فقط، حتى لو كان إجرائياً، وهو كونه يدير البلاد وبمعنى أدق يحكم ولو لفترة انتقالية .
لهذا يبقى الجيش موضع إجماع أو على الأقل شبه إجماع في مصر، لأن التاريخ الوطني لهذا الجيش يجعله مقبولاً وموضع ثقة من الناس، فثورات مصر التي سبقت الخامس والعشرين من يناير معظمها قام بها الجيش، بدءاً من أحمد عرابي حتى ثورة يوليو، وإن كان الفارق هذه المرة هو أن الشعب الذي بدأ ثم لحقه الجيش بعكس ما كان يحدث من قبل .
والأرجح أن الأغلبيات الصامتة في مصر وخارجها قد بدأت تشعر بأن أوان الكلام قد أزف .