|
|
المخرج المغربي عبدالإله فؤاد: الشارقة أصبحت قبلة للمسرحيين العرب
يعد الكاتب والمخرج والفنان المسرحي المغربي عبد الإله فؤاد أحد المسكونين بهاجس المسرح، على نحو استثنائي، يشغل منصب مدير مهرجان أصيلة الدولي لمسرح الأطفال، ورئيس المركز العربي الأوربي لمسرح الطفل والشباب، وله بصماته الواضحة في المسرح المغربي، تمثيلاً وإخراجاً وإعداداً وتأليفاً، بل وتنظيراً، ناهيك عن حضوره العربي والدولي كمدرب وخبير عربي وعالمي بارز، وهنا حوار معه .
كيف يمكنك تشخيص واقع المسرح العربي، ونحن على أعتاب عقد جديد من ألفية جديدة؟
لاشك أن المرحلة التاريخية التي يجتازها الوطن العربي، خلال بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، هي بمثابة انعطاف حضاري يؤشر إلى حيوية اجتماعية وثقافية كبرى . ولن يكون المسرح العربي بعيداً عن تداعيات هذه المرحلة، باعتباره أداة لفعل اجتماعي مؤثر في الساحة السوسيو ثقافية، بل ولعله كان من المبشرين الأوائل بهذا الانتقال الحضاري الكبير الذي أطلقته المجتمعات العربية . لذلك يجد المسرح العربي الآن نفسه أمام أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والتغيير، بالانفتاح والحوار، بالتقليد والإبداع، بالثابت والمتحول، بالقيم والأخلاق، بالإنتاج والاستهلاك . . باختصار، كل الأسئلة المرتبطة بالذات والآخر، لأنها مسألة وجود ثقافي وحضاري بامتياز .
هناك من يتحدث بأنه بالرغم من الاهتمام الكبير بالمسرح، الذي بتنا نلحظه في ظل توفير إمكانات هائلة، إلا أنه لم يعد يثير مثل ذلك الحماس الذي كان يثيره في عقود سابقة، كيف تتعاطى مع هذا الطرح؟
إن الإبداع ليس نتاج إمكانات مادية ضخمة، لأن ذلك استهلاك ليس إلا . . الإبداع هو عمق فكري استطاع استقراء واقع معين، وأعاد صياغته بطريقة تتجاوز المألوف، لتبشر بالصيرورة المستقبلية للمجتمع الذي يعبر عنه ذلك الإبداع . أعتقد شخصياً أن هذا هو الدور الذي يمكن للمسرح العربي أن يقوم به الآن . . لدينا العديد من المثقفين والمبدعين في كل البلدان العربية، أشخاص ومؤسسات قادرة على إنتاج فعل ثقافي جديد، لكنها مدعوة الآن إلى مواجهة الذات وإعادة استقراء واقعها وفق منظومة أفكار، وقيم جديدة مرتبطة بالواقع الجديد . إذا فقدنا الحماس والمثابرة فذلك راجع بالأساس إلى التكرار والثبات الذي ميز تعاطينا المسرحي مع العديد من المواضيع والتقنيات المسرحية، وكأن باب الاجتهاد قد أغلق بصفة لا رجعة فيها، ففي الوقت الذي اندفعت فيه الصورة لتملأ كل فراغات وجودنا، عبر غزو لا يحتمل، تراجع الإبداع المسرحي فكراً ومضموناً، وأصبح مغرقاً في الجانب التقني الآلي، لكن هذا القول لا ينفي وجود تجارب مسرحية متميزة في العالم العربي، بل تجارب وأسماء لها قيمة عالمية كبرى .
هل يمكن أن نتحدث عن موقع ما نستطيع تحديده للمسرح العربي ضمن خريطة المسرح العالمي؟
أكيد أن المسرح العربي قد استطاع أن يجد له مكاناً، ضمن مسارح العالم، فرغم أن المسرح كفعل ثقافي هو فعل وارد على المجتمعات العربية، إلا أن العديد من مكوناته موجودة في صميم الثقافة العربية واللاشعور الجمعي العربي، وتشكل المقامات، وسوق عكاظ، والحكواتي، والأراجيز، وغيرها مؤشراً على وجود أشكال ما قبل مسرحية، مارسها العرب في مراحل تاريخية سابقة، لذلك استطاعت العديد من الأسماء العربية أن تجد لها مكاناً في خريطة المسرح العالمي مثل: سعد الله ونوس، الطيب الصديقي، سعد أردش، واللائحة طويلة جداً لأسماء مبدعين عرب استطاعوا التعبير عن خصوصيتنا العربية بأعمال إبداعية حققت كل معايير العالمية .
المهم أن قواميس المسرح العالمية قد أفردت صفحات عدة لمسرحيين عرب، أكدوا للعالم أننا شعوب تمتلك حضارة وفعلاً اجتماعياً مؤثراً ومتأثراً، استطاعت هذه المواهب أن تعبر بامتياز عن خصوصية المسرح العربي، كما نجد العديد من شباب المسرح العربي في مسارح دولية ينقلون صورة بهية لإبداعنا المسرحي .
النص المسرحي العربي: هل يمكن قراءة تحولاته، بين الماضي والحاضر، وما أبرز مراحل خط سيره؟ وإلى أين وصل؟
إن واقع القراءة في العالم العربي صادم ومحزن جداً، فالإحصاءات العامة تؤكد أن الأوروبي يقرأ 35 كتاباً في السنة، و”الإسرائيلي” يقرأ 40 كتاباً، فيما يقرأ 80 عربياً كتاباً واحداً في السنة، وبمنطق هذه الإحصاءات، فإن ثقافة شخص “إسرائيلي” واحد تساوي ثقافة 3200 عربي، إنه واقع مؤسف للغاية، على كل حال، لقد استطاع النص المسرحي العربي أن يسهم في الديناميكية الثقافية العربية خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وذلك بفعل الحراك الثقافي السياسي الذي ساد مرحلة ما بعد الاستقلال في البلدان العربية كافة، حيث كان الفعل المسرحي مساهماً فعالاً في كل حركات التحرر العربية، وبذلك كان النص حاملاً للقيم الاجتماعية الخاصة بالمرحلة التاريخية الحديثة، لكن هذا المكتسب الثقافي قد عانى تراجعاً كبيراً خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وذلك نتيجة للتطور التكنولوجي الكبير الذي أعطى أبعاداً جديدة لمفهوم الاتصال،من خلال الإنترنت والهاتف النقال، وغزو الصورة الرقمية وغيرها من التقنيات التي أصبحت من الضروريات في هذه الألفية الجديدة .
لقد مارست شخصياً التمثيل والإخراج، إلى أي حد تجد كل ذلك من عداد المفردات الضرورية للكاتب المسرحي؟
إن العمل المسرحي هو عمل متسلسل يخضع لصيرورة إنتاجية خاصة، تبدأ بتصور النص المكتوب، وهو فعل إبداعي أولي، والمقصود هنا الترتيب وليس القيمة، لذلك فالكتابة تأطير للفعل المسرحي والرسالة الفكرية والقيم المرجوة، إنها الجواب عن السؤال: لماذا أكتب؟ ولا شك أن العديد من الباحثين قد تطرقوا للفعل المسرحي من الكتابة إلى العرض، في أبحاث مستفيضة . لكن النص لا يملك إلا “وجوداً بالقوة”، إذا وظفنا المصطلحات الأرسطية، ولا أثر لهذا الوجود إن لم يتحول إلى “وجود بالفعل”، ولا يتأتى لنا ذلك إلا بالتمثيل، إذ هو الروح والجسد، وبالتالي هو قيمة الفعل المضافة على الروح، لأنه تجسيد الوجود الممكن أمام الجمهور الكائن فعلاً . إنه الجواب عن السؤال: ما الأداة التي ستحمل الرسالة؟ وبعد ذلك يأتي سؤال الإخراج، الذي يجيب عن سؤال: كيف سأقدم هذه الرسالة؟ إذا تأملنا هذه الأسئلة نجد أنها الأسئلة نفسها التي تطرح في كل عملية تواصلية، حسب “شانون” الذي وضع أسس النظرية التواصلية سنة ،1948 والتي فتحت الباب للثورة التواصلية التي نعيشها الآن، والمسرح “فعل تواصلي بامتياز”، لذلك على الكاتب المسرحي أن يكون ملماً بالصيرورة المسرحية الكاملة، من الفكرة إلى العرض الجماهيري .
كيف تنظر للمؤلف مخرجا لنصه المسرحي؟
أغلبية المؤلفين كانوا مخرجين لمسرحياتهم، من يوربيديس وسفوكليس، وشكسبير وموليير، وبريخت، وماييرهولد، وغيرهم كثير، وبالفعل لقد نجحوا في تجاربهم، لكن هل هذا يعني أن كل المؤلفين هم بالضرورة مخرجون ناجحون لأعمالهم؟ الأكيد أن الجواب سيكون بالنفي . بالنسبة إلي، إن النص المكتوب برؤية إخراجية لمؤلفه هو نص أسير، بمعنى أنه نص محروم من رؤية وقراءة الآخر، ونحن نعرف أن النص المؤثر والناجح هو النص المفتوح على تأويلات متعددة، فالاختلاف والكثرة غنى وثراء، والرؤية الواحدة إفقار وضمور للتغيير والإبداع .
إلى أي حد تجد الملتقيات والأيام والمهرجانات المسرحية ضرورية من أجل خلق مسرح عربي متقدم؟
تعتبر المهرجانات والملتقيات مؤشراً مهماً، بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا ما نلمسه بالنسبة إلى أوروبا والغرب بصفة عامة، فوحدها منطقة “الكوت دا زور” الفرنسية مثلاً تتوافر على أكثر من 80000 مهرجان خلال موسم الصيف فقط . طبعاً هذا الرقم يؤشر إلى أن المهرجانات تشمل جميع القطاعات الإنتاجية والإبداعية، لأنها فرصة تسويقية وكذلك هي فرصة لتبادل الخبرات والتجارب، لذلك أعتبر أن المسرح العربي لا يمكنه أن يحقق المزيد من التقدم إلا عن طريق الإكثار والتنويع في المهرجانات والملتقيات، وتوفير الإمكانات المادية للفرق المسرحية الأهلية والمحلية للمشاركة بكثرة في المهرجانات والملتقيات .
أية حدود بين المسرح والفنون الأخرى ترى ضرورة كسرها؟
المسرح هو “أبو الفنون”، لأنه هو الجامع لها، إنه يوحد الفنون ولا يفرقها، لذلك لا أرى أية حدود يمكن كسرها بين الفنون، بل على العكس، أرى مجالات وآفاقاً أخرى جديدة، تفتحها الفنون التكنولوجية، وكان المسرح أول المستفيدين من تطورها، حيث أصبح اليوم “المسرح الرقمي” مثلاً، شكلاً مسرحياً يحظى بجمهور وإقبال كبيرين في العالم أجمع .
كيف تنظر إلى واقع المسرح الإماراتي؟
لقد حظيت بشرف متابعة أعمال مسرحية إماراتية عديدة، من خلال مهرجان “أيام الشارقة المسرحية” ومهرجان الإمارات لمسرح الطفل سنة 2010 . وواقع الأمر يشير بقوة إلى أن المسرح الإماراتي قادم بقوة لينتزع له مكاناً في الصدارة المسرحية العربية، فالشارقة مثلاً قد أصبحت قبلة كل المسرحيين العرب، حيث إن الملتقيات والمهرجانات لا تنقطع طيلة الموسم المسرحي، وهذا بفعل الرعاية الخاصة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مؤسس الهيئة العربية للمسرح، الذي أراد للمسرح أن يكون فاعلاً ثقافياً وتنموياً . ولاشك أن الدور المؤسساتي الذي تقوم به كل من “دائرة الثقافة والإعلام” و”مجموعة مسارح الشارقة” أسهم في تعزيز هذه الديناميكية المسرحية الفريدة في العالم العربي .
هل يمكن الفصل بين مسرح الشباب ومسرح الكبار؟ وماذا عن تصنيفات المسرح أهي ضرورية حقاً؟
عادة، ما تكون التصنيفات مسألة إجرائية فقط، بمعنى أنها مسألة تتعلق بالجانب البحثي والأكاديمي، وليس تصنيفات اجتماعية واضحة ومحددة المعالم، فمثلا “مسرح الشباب” لا يعني أن الموضوعات المختارة والنصوص المسرحية المقدمة تختص بميزات مختلفة عن المسارح الأخرى . فنحن لا نتحدث عن “رسم الشباب” و” رقص الشباب” وفنون الشباب .
كيف تقوّم واقع مسرح الطفل؟
يعيش “مسرح الطفل” تهميشاً مؤسساتياً كبيراً، حيث لا يعترف بوجوده إلا داخل المدرسة، وفي هذه الحال يختلط بالمسرح المدرسي، لذلك نحتاج إلى إعادة النظر في ما نريده لمسرح الطفل، وربطه بمستجدات العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية .