لصوص الأساطير !
خيري منصور
* القدس العربي
سبقهم بروكوست قاطع الطريق اليوناني الذي كان يعذب ضحاياه بحيث يبتر سيقانهم اذا فاضت عن مساحة سريره، ويمطها حتى تتفسخ انسجتها اذا قصرت عن الفراش. واذا كان هناك لصوص لوحات فنية يسطون على أعمال خالدة، فإن لصوص الأساطير من طراز آخر تماما.
فكل شعب على هذا الكوكب له ما يسمى الناراتيف او السردية الوطنية، التي تتقطر منها هويته وما يمنحه وجودا قوميا على المستويين التاريخي والجغرافي، لهذا فإن من لا يمتلك مثل هذه السردية في الواقع يحاول اختراعها، وبالتالي لا بد لهذا الاختراع من بعد اسطوري يمد الجذور الى ما قبل التاريخ، واختراع السّرديات هو باختصار اختراع للماضي وهذا بحد ذاته أمر مستحيل، الا في حالة وهمية واحدة، هي الكذب على الذات ومن ثم تصديق هذا الكذب، لكن من يختلط عليه الأمر فيرى السراب ماءً لن يروي ظمأه من هذا السراب ولن يتوضأ منه او يغسل موتاه من مائه الكاذب.
والظواهر التي يختلط فيها الصدق بالكذب عديدة ، بدءا من الظواهر الطبيعية او ما سماه ازوالد شبنجلر التشكل الجيولوجي الكاذب، بحيث ما يبدو سلسلة جبال قد لا يتعدى كثافة من الغبار. وثمة ايضا الحمل الكاذب، الذي ما ان تصدقه المرأة العاقر حتى ينتفخ بطنها، وتمر بطور الوحام لتكتشف اخيرا ان الرحم فارغ، وما تدفق عبر الانساغ الى الثديين ليس حليبا لارضاع الوليد، وقد يتفاقم الحمل الكاذب بحيث تكون دمية المطاط بديلا للمولود، ولا نظن ان ارضاع الدّمى يتيح لها النمو الا اذا كان هذا النموّ كاذبا ايضا على طريقة الحمل الوهمي ذاته ...
وعندما كانت الاسطورة في بعدها الخالق والقابل للتأويل التاريخي وسيلة التعبير المثلى عن الصراع، سواء بين الانسان وقدره او بين الانسان وجنسه اضافت الى التاريخ جناحين حلّق بهما عاليا وشحن الذين ابتكروها من خيالهم وذاكراتهم الأرضية معاً بارادة باسلة، فالوهم اذا تم اعتناقه والاستغراق فيه لا يبقى وهما، وهذا ما دفع ارنست فيشر كعالم جمال ومؤرخ للفن الى الاعتراف بفضل الاساطير، وانها ليست مجرد خرافات. وفي احدى تجاربه المثيرة شاهد فيشر فلاحين لديهم معتقدات اسطورية وهم يمارسون طقوسا معينة اثناء العمل والحصاد... كأن يرقصوا ويرددوا اناشيد تشبه التراتيل الدينية، وذلك بهدف الحصول على موسم أوفر، يقول فيشر ان هؤلاء بالفعل يحصلون على موسم أوفر لكن ليس بفضل طقوسهم فقط، بل للدور الذي تؤديه هذه الطقوس في تنشيطهم وتصعيد حيويتهم واعانتهم على احتمال التعب ...
* * * * * * *
من سرق سر النار وعوقب الى الابد بحيث بقيت النسور تنهش قلبه العاري لم يسرق النار ليطبخ عليها خروفا او أية فريسة، بل لاضاءة العالم، ولو كانت سرقته ذات هدف صغير ويرضي غريزة الجوع فقط لما عوقب، ولم يكن عقاب سيزيف الذي تأبط صخرة وراح يصعد ويهبط بها الجبل بتكرار مجاني هو هذه الرياضة الجسدية القسرية، فقد قال بول فاليري وبشيء من السخرية: ان سيزيف لم تكن نتائج مجهوده المتكرر عبثية فلا بد ان عضلاته نمت وأصبح بطلا في حمل الاثقال بامتياز وجودي !
لكن اسوأ عقاب هو ذلك الذي تعرض له ديدالوس الذي حلم بالتمرد على جاذبية الأرض وحاول التحليق عاليا، ثم سقط مضرجا بدمه واوهامه معا، لأن الجناحين اللذين زرعهما على كتفيه كانا من شمع، وما ان اشرقت الشمس عليهما حتى ذابا وخذلا المسكين الذي عوّل عليهما للتمرد على قدره الأرضي، وما يسمى عقب آخيل ليس حكرا على آخيل ذاته فقط، فما من بطل الا وله مثل هذا العقب الذي بقي ناشفا خارج المغطس الاسطوري، لا بد اذن من نقصان ما للبطل وبالتالي لاسطورته كي تولد التراجيديا، فلو عثر جلجامش على الاكسير او عشبة الخلود لعاش صاحبه الى الأبد واختفى لغز الموت، ولو لم يبق عقب آخيل ناشفا خارج مياه الخلود لعاش حتى ايامنا، والاسطورة لا تقبل ذلك، لأنها تتغذى بمرور الأزمنة بالمزيد من نقصانها، فثمة قوس ذهبي ساقط من محيط الدائرة يتولى الخيال الخلاق تعويضه او اجتراحه في كل عصر تبعا للمعطيات والسائد المعرفي.
* * * * * * * * *
اول مثال فتح لي باب لصوص الاساطير على مصراعيه هو من الناراتيف او السردية البيضاء الغشمة للرجل الابيض، فبعد ان اقتلع السكان الاصليين من جذورهم ونكّل بهم بدأ يسطو على ثقافتهم ورموزهم، فأسطورة طائر الرعد مثلا كانت تعني للهنود الحمر ذلك الطائر الاسطوري الذي يلوح في الأفق عندما يفقدون الحول والقوة، واصبح اسم هذه الاسطورة لسيارة امريكية فارهة هي (ثندربيرد) ولا يشبه هذا السطو المبكر الا تلك الاسماء التي اطلقها الرجل الابيض وبالتحديد الانغلوساكسوني على عمليات عسكرية في حروب ما بعد الحداثة، بدءا من الحرب الفيتنامية، مرورا بالحرب على افغانستان والعراق وما سوف يعقب ذلك، وهي اسماء مسروقة من الميثولوجيا الشرقية بدءا من ثعلب الصحراء والافعى السامة والعاصفة، وهذا ما فعله التلميذ الصهيوني النجيب للرجل الابيض عندما سرق عنوان رواية شتانبيك ' عناوين الغضب ' لتطلق على مجزرة اقترفت باسم السلام في الجنوب اللبناني وكانت قانا بكل دلالاتها القانية قرينة هذا السّطو.
ولكي تعوض اسرائيل غياب سرديتها الوطنية او الناراتيف القومي، لجأت الى السطو على الفولكلور الفلسطيني، فاستخدمت ازياءه لمضيفات الطيران في شركة العال، وسطت ايضا على اطعمة شعبية كالزعتر والفلافل والحمص، وحولتها الى نجوم سداسية اخرى على علم يتوارى عليه مجريان أزرقان يبحثان عن مصب في الهواء!
وهناك حكايات شعبية فلسطينية تقرب من الاسطورة من حيث بنائها وقابليتها للتأويل التاريخي، ترجمت الى العبرية بتصرف واستخدمت على نحو مضاد، مما دفع بروكوست الجديد الى تعذيبها كما كان يفعل قاطع الطريق بضحاياه.
واذا كانت الطبيعة لا تطيق الفراغ فإن التاريخ كذلك، لهذا يسعى من لا سردية حقيقية له وتتقطر منها هويته الى اختراع حكاية تضاف الى علمه ونشيده باعتبارها الأقنوم الثالث في الناراتيف القومي ...
واذا كان السطو الصهيوني قد بدأ على طريقة الرجل الأبيض في سرقة الاساطير والمتداول الشعبي فإنه سرعان ما وجد بالهولوكوست سرديته البديلة، باعتباره ضحية خالدة، حتى لو اصبح بعد ذلك جلادا بامتياز.
فمن يحتكر الدموع، وقناع الضحية لا يقنع بذلك حتى نفسه وأقرب الناس اليه ، وهذا ما افتضحه المؤرخ فنكلشتاين عندما صاح بيهودية تبكي وتحتج على محاولة انصاف الفلسطينيين بعد متوالية المذابح التي حلّت بهم، فقد وصف تلك الدموع السياسية بأنها دموع تماسيح ..
ان سرقة الارض تقتضي بالضرورة سرقة التاريخ وبالتالي الذاكرة، لكن السطو على الأساطير له دلالات اخرى منها الرغبة في التجذير والاستحقاق الذي يمتد الى ما قبل التاريخ.
ان بامكان اي كائن طارىء ان يبني وفق الهندسة الحديثة الف هرم ويزعم ان عمرها عشرة آلاف عام... لكنه عندئذ يعرض نفسه للشك في قواه العقلية، ويتهم بالتزوير الذي يتجاوز العملات والاوراق الثبوتية بكثير!