تشيخوف.. في إرث مسرحي.. ومرجع لكل الأجيال

* الثورة السورية





أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860- 1904) طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي كبير، من أهم وأكبر الأدباء الروس كما أنه من أفضل كتاب القصة القصيرة في العالم، وكان لمسرحياته أعظم الأثر على الدراما في القرن العشرين.


بدأ تشيخوف الكتابة عندما كان طالباً في كلية الطب في جامعة موسكو ولم يترك الكتابة حتى أصبح من أعظم الأدباء واستمر أيضاً في مهنة الطب وكان يقول ( الطب هو زوجتي والأدب عشيقتي).‏

العوالم الإنسانية وجوهر العلاقات الاجتماعية النفسية هي أهم ما تناوله تشيخوف في مسرحياته، ومن خلال مسرحياته القصيرة استطاع أن يخلق مجموعة من الشخصيات الحية والمتكاملة رغم محدودية المكان الذي تتحرك فيه هذه الشخصيات.‏

لاتعتبر مسرحيات تشيخوف مهمة بسبب اعتمادها على المفارقة كأسلوب بنائي وحسب ولكن لأنه استطاع أن يكون في مسرحياته وخاصة القصصية منها حساً فكاهياً، من خلال صور ساخرة في غاية التركيز، وهذا دليل على قدرة فائقة في صنع وخلق الشخصيات الإنسانية خلال لمسات قليلة وسريعة ذات معنى دلالي كبير وعظيم.‏

كتب تشيخوف مسرحياته القصيرة بين عام (1885-1891) عندما كان في الـ 25 من عمره، وبقدر ماكانت هذه المسرحيات من طراز رفيع ومعقد بقدر ما كانت هذه الكوميديا عند تشيخوف أشبه بكوميديا موليير والتي تسبر البناء الاجتماعي من خلال الدواخل النفسية الساخرة، وتحتوي مسرحيات تشيخوف على مسرحيات أحياناً أكبر مما تحتمله خشبة المسرح لأنها على درجة من الغنى الإنساني والتعقيد النفسي، ولأنها تحمل في مضامينها جوانب كبيرة من الحرفية المسرحية التي تطلق العنان للمخرج في خلق حلول كثيرة وتغني الممثل لكي يتوغل في عوالم الشخصيات التي تبدو بسيطة ومباشرة للوهلة الأولى، لكنها بالواقع تحتاج من الممثل جهداً كبيراً ودراسة دقيقة حتى يتجرأ المسرحي أن يقدم عرضاً يرضي المشاهدين.‏

مسرحيات تشيخوف القديمة هي: الطريق العام- مضار التبغ- أغنية البجعة- الدب- عرض زواج- العيد السنوي- هذه المسرحيات من المرحلة الأولى التي اعتمد فيها على الحركة الصاخبة لإثارة المشاهدين.‏

أما المرحلة الثانية فهي: النورس- الخال فانيا- الشقيقات الثلاث- بستان الكرز.. وفيها الحركة تكاد تكون معدومة مستعيضاً عنها بالحركة الذهنية العميقة وتتميز بالهدوء وتحتاج إلى متفرج مثقف.‏

تطرح مسرحيات تشيخوف في المرحلة الثانية عدداً من الأسئلة.‏

حول مفهوم الانحلال والتفكيك عبر شخصياته من خلال مجموعة من هذه الأسئلة المهمة مثل: هل هناك شخصيات مفككة أو مدمرة؟.‏

أين الشخصيات البناءة في الحياة؟ كيف يمكن أن يقف هذا الانحلال أو الدمار؟ معتبراً أن الانحلال والتفكك هما أساس الحياة، وليس سمة شخصية مدمرة وليس ثمة شخصية بناءة بالفطرة إنما الحياة هي التي توزع الأدوار.‏

مايطرحه المسرح التشيخوفي المتقدم والأكثر سبرا لفهم الحياة، حيث ترى تشيخوف يضع الأساس أولاً لشخصيات مسرحه ثم يتركها تسعى نحو مصير غير معروف حتى تصل إلى الانهيار، والانهيار هنا لايعني النهاية أو الموت، إنما هو انهيار أكثر مأساوية.. فهو سقوط وانهيار الرغبات والطموحات والعواطف، وكأنه يقول أين العزاء لبني الإنسان.. وكيف؟ فالانهيار الذي يواجه شخوص الخال فانيا.. يكاد أن يكون سمة عامة لمسرح تشيخوف.. انهيار هادئ يتسرب من مسامات غاية في الدقة، ومرعب إلى درجة الانهيار والدهشة كما يقول فرحان الخليل.‏

عوالم مسرحيات تشيخوف تطرح على القارئ أو المتفرج أسئلة أيضاً..‏

إننا نرى حياة في منتهى البساطة.. لكن ما إن تقترب من النهاية حتى تجد نفسك أمام شيء مبهم ومعقد.. كيف تسرب هذا الدمار؟ ومن أين أتى؟ حوار الخاتمة غاية في البساطة ولكنه مدهش في إيجازه واختزاله وتأثيره على المتلقي.‏

تشيخوف صاحب المزاج الفكاهي الواضح.. وهل ثمة شيء في الضحك ماهو شؤم؟!.‏

قدم تشيخوف إرثاً مسرحياً كبيراً تناقلته الأجيال.. لايقل أهمية عن مسرح شكسبير أو موليير. وسيبقى مرجعاً لكل باحث في المسرح.‏