محمد القيسي والحديقة السرية

موسى حوامدة

* الدستور الأردنيـة





في عام ألفين كنا في الطريق إلى المربد، أصر أن أجلس إلى جواره في الباص، وهو يغريني بقوله إن أم فراس أعدت لنا صفائح زعتر للرحلة.

خلال الرحلة الطويلة تلك، عاتبني أبو فراس لمحاولة النفور منه، مع أني بدأت صداقتي به حين عاد من لندن، عام 1987، وأجريت معه حواراً بينما كنت أعمل في «صوت الشعب»، وظل يتردد إلى الجريدة، وكان يدخن الغليون، ويلبس قمصاناً فضفاضة ومختلفة، ويحمل حقيبة جلد يعلقها على كتفه، قلَّده في ما بعد عدد من الشعراء، وإن قال لي شاعر فلسطيني أكبر من القيسي إن محمداً كان يقلده، حتى في طريقة تسريح شعره، وكانا يتشابهان، حتى في الشكل، ولماذا التغميض، من قال لي ذلك هو خالد أبو خالد، ومن يقارن بين الشاعرين يدرك أنهما، فعلاً، يشبهان بعضهما شبهاً كبيرا، حتى لو لم يرغبا بذلك.

عاتبني أبو فراس لعدم رغبتي في الجلوس بجانبه، خلال الرحلة، فقلت له: لدي عدة من أسباب، منها ما هو شخصي، ومنها ما تكوَّن لدي من خلال ما رواه لي بعض الزملاء والمعارف والشعراء عنك. أما الشخصية فهي أنك تريد، دائماً، من الطرف الآخر أن يكون تابعاً لك، على وفق مزاجك، وتفرض عليه كل ما تريد، وتستأثر بالحديث، فضحك ونظر إلي نظرة كلها حب، وقال: وماذا أيضاً؟ قل لي ماذا، أيضاً. قلت: وهناك من يقولون إنك تسخر منهم ومن شعرهم، ولا تعترف بهم، وهناك من يتهمك بالبخل، والأنانية، فقال لي: لن أغضب؛ قل كل ما تريد، وقلت له الكثير. انتبه ـ فجأة ـ وقال لي: وهذه آراؤك، أيضاً؟ قلت: وهناك من يقول إنك تغازل صديقاتهم، فقال: وهل تعتقد أن امرأة تحب شخصاً آخر ستتخلى عنه ببساطة، ولمجرد كلمة غزل؟ قلت: لا، طبعاً. قال: إذن لن تتأثر علاقة حب بسبب كلمة عابرة.

وبدأ محمد يروي لي الكثير عن طفولته، في مخيم الجلزون، وروى لي ما كتبه، لاحقاً، عن المرأة الرجل، التي كانت تقوم بالكثير من الأعمال النسائية، والتي تبين له أنها رجل، فهرب منها، ليجدها، أو يجده مقتولاً، في المخيم، في ما بعد. وكتب عنها قصيدة المرأة الرجل.

وباح لي محمد بالكثير من آرائه حول عدد من الكتاب الذين ساعدهم، وطبع لهم أعمالهم، وتخلوا عنه، في ما بعد، بل صاروا يهاجمونه، وأتحفظ على ذكر تفاصيل كثيرة قالها، وربما يأتي يوم أكتبها.

في بغداد، فقد أحد زملائنا، وهو المرحوم عايد عمرو، نقوده، فكان القيسي أول المتبرعين، ودعاه نادي العلوية البغدادي إلى إقامة أمسية شعرية فطلب مني مشاركته فيها، وشاركت بعد قراءته، وكان سعيداً، وبقيت قريباً منه طيلة الرحلة، وكان حاد الملاحظة، دقيقها، شاعراً غنائياً لا مثيل له.

لم يكن القيسي شاعراً بالقوة، أو برغبة أو أمنية، ولا هابطاً على الشعر، رغم أنفه؛ فقد ولد شاعراً مطبوعاً، وغزيراً وعفوياً. أذكر أنه فوجئ مني، ذات مرة، بعد أن قرأ ـ في رابطة الكتاب، في اللويبدة ـ بعض قصائده، وفي ختام الأمسية أعدت ما قاله:

«لسارا، وهي تخلع معطفاً، ويداً وتنقلني إلى زرد من الليل؛

لقهوتي التي بردت ولم أشرب، ومر قطار صحوتنا على عجل»

فدهش وفرح، وارتجفت عيناه بسرور غامر.

لم ينل محمد القيسي حظه من الاهتمام والمتابعة، ربما كان في حياته ناقداً حاداً، وشاعراً مشاكساً. عاش حياته شاعراً وليس كاتب شعر، وكانت حياته قصيدة تمشي على قدمين، حتى طريقة معيشته وسلوكه وتعلقه بوالدته، حمدة، لم تكن علاقة عادية، فقد جسدها في العديد من كتبه وقصائده.

ظل القيسي وفياً لمسقط رأسه، في كفر عانة، وكان يذكرها كثيراً في شعره وفي حديثه، وكان يذكر أيام مخيم الجلزون، وأيام عمله في الكويت كثيراً، كان ناثراً كبيراً ولغته متميزة وطريقة كتابته جميلة، إضافة إلى اعتنائه بقصيدته كأنه يعتني بحديقة سرية.

حين دفنا محمد القيسي، في مقبرة الرصيفة، إلى جانب أمه، كان القبر فقيراً، وكان عدد الأصدقاء قليلاً، وقلت كلمة بعد دفنه شعرت أنها طلعت من روحي، في وداع أبي فراس، والغريب في الأمر أنه مات في عام 2003، حيث مات فيه والدي ووالدتي وسقطت فيه بغداد، وكان عاماً منحوساً وكارثياً بكل معنى الكملة.

وراء القيسي إرث شعري كبير ما زال يحتاج إلى دراسة وتأمل واستذكار، وليس نافعاً أن نتجاوزه، ونحن نعرف أنه كان شاعراً بكل معنى الكلمة.