|
|
جورج سيمينون..... روائي الوحدة والقلق وكره الذات
* الثورة السورية
لا تعود مكانة الكاتب جورج سيمنون، الذي وصف نفسه يوماً «أنا كاتب روايات ولست أديباً» إلى غزارة إنتاجه فحسب،بل تعود دون شك إلى قدرته الروائية المبدعة وإلى أسلوبه العادي في ظاهره، والدقيق والموجز في التعبير والأداء في حقيقته. ومن هنا كانت قراءة كتبه ضرباً من المغامرة الفكرية الغنية يقوم بها منذ نصف قرن عشرات الملايين من القراء في العالم على مختلف لغاتهم وثقافاتهم.
لا شك أن أول ما يثير الدهشة لدى هذا الروائي الكبير غزارة إنتاجه التي تكاد لا تصدق. فهذا الكاتب الذي أطلق عليه أحياناً لقب بلزاك العصر والذي أعجب به الكاتب أندريه جيد وتنبأ له مبكراً بمستقبل رائع، جاوز في عدد الصفحات والكتب التي وضعها عشرات المرات ما أنتجه كل من بلزاك وزولا وسيلين وفيكتور هوغو، بالرغم من أن هؤلاء جميعاً قد اشتهروا بغزارة الإنتاج، وقد كتب أكثر من 400 رواية والآلاف من القصص القصيرة.
اشتهر هذا البلجيكي وهو الوحيد الذي كتب باللغة الفرنسية بعد استقراره في باريس بابتكار شخصية المفتش ميغريه في رواياته البوليسية التي أبدع فيها، لدرجة أنها التصقت بشخصيته وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها.
يرى معظم النقاد أن سلسلة روايات المحقق ميغريه تنطوي على الكثير من الأجواء التي كانت تسود روايات دستويفسكي رغم اختلاف أسلوب وبيئة كلا الكاتبين غير أن الذي يجمعهما بشكل لافت للنظر هو تلك القدرة العالية على طرح واقع المعاناة البشرية من خلال عملية التحليل النفسي للشخصيات التي تعاني من الشر أو تمارسه وهو ما جعل القارئ مجبراً على الاستمرار بمطالعة الرواية بمجرد قراءة بضع صفحات منها.
وفي كتاب صدر عن دار اكواتور الفرنسية من تأليف المؤرخ الفرنسي المتخصص بشؤون الشرطة والتحريات الجنائية أن شخصية ميغريه بطل روايات جورج سيمينون التي ظهرت على شكل أجزاء كثيرة ما هي إلا الوجه الآخر لشخصية المحقق الفرنسي مارسيل غوليوم الذي كان يعمل مفتشاً عاماً لمنطقة باريس وكان مشهوراً على مستوى فرنسا وقتئذ كونه أفضل محقق جنائي للفترة الواقعة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، وقد استند سيمينون في ذلك على أرشيف الشرطة الجنائية لمدينة باريس والخاصة بالمفتش غوليوم. وثمة الكثير من التلميحات والتصريحات التي جاءت في دفتر مذكرات الكاتب جورج سيمينون تدعم هذا الاستناد، ومنها هذه الملاحظة «يسألني الكثيرون عن حقيقة شخصية ميغريه، ما إذا كانت شخصية حقيقية أم من نسج خيالي؟ وفي الحقيقة لا يسعني القول غير أن مارسيل غوليوم لم يكن مجرد صديق لي بل كان بمثابة الشقيق الأكبر لبطل روايتي ميغريه».
هذا عن شخصية المفتش ميغريه الشهيرة لدى الكاتب. أما عن حقيقة شخصية الكاتب جورج سيمينون. هذا ما نجده لدى الكاتب الأميركي ستانلي اسكين مؤلف كتاب السيرة الذاتية للكاتب جورج سيمينون، والتي صدرت حديثاً في فرنسا، وقد حرص فيها المؤلف على توخي الأمانة والجدية والاعتماد على ما هو موثق جيداً في عمله، ولم يتبع نظاماً مرجعياً فرنسياً حصراً، بل عرج على مصادر أخرى منها على سبيل المثال تشبيهه العلاقة الإشكالية التي تربط سيمينون مع مدينة لييج البلجيكية مسقط رأسه بتلك العلاقة التي ربطت جويس مع دبلن، كما ويشير إلى إعجاب ثورتون ويلدر بالكاتب أو مثلاً يشير إلى المشاكل التي كان يعانيها مع بعض الناشرين الأنكلو – ساكسونيين بسبب صغر حجم رواياته، والمعروف أن كتب أفضل المبيعات حسب معايير تلك البلدان ينبغي أن تكون كبيرة الحجم.
وفي الختام لم يتردد كاتب سيرة سيمينون في تسليط الضوء على الأسرار الكبيرة التي أحاطت بشخصية سيمينون من خلال طرح فرضيات التحليل النفسي ذات الأبعاد العائلية البحتة. إذ أن ثمة جوانب ذهنية عديدة للكاتب ارتبطت بعلاقته العدائية مع والدته التي جعلته يذهب إلى مكان آخر، حيث الشعور بأنه شخص غير محبوب من جانبها لوّن كل علاقاته مع النساء، وعمل على تأطير الصورة التي رسمها عنهن في رواياته.
والملفت للانتباه في كتاب اسكين هو إشارته إلى أي مدى كان سيمينون ذاتياً في كتاباته في وقت كان يحرص فيه على أن يكون موضوعياً، وإلى أي مدى تغذت رواياته الكثيرة من تجربته الخاصة. وبالتالي فإن أغلب ما يميز هذه الروايات هو تركيزها على الوحدة والقلق وكره الذات والكحول والرغبة والهجر والكذب والطموح والبؤس الأخلاقي والصد والشفقة والأسرار العائلية والخوف من الآخر والغش والغيرة والانتحار وحتى في بعض الأحيان حب الآتي. أي بمعنى أن الرجل المتعري المجرد من كل ما يمكن أن يستره عن أعين الناس هو بطل روايات سيمينون، يكتب من أجل التخلص من أوهامه، عالمه هو مسرح وجدان شخصي لدراما وحيدة ذات أوجه عديدة، وهي دراما الإنسان رهين قدره.
في روايته «صعب المراس» وصف واضح للمناخ الخانق الذي عاشه الكاتب في مدينة لييج قبيل هجرته إلى باريس. أما في رواية «المستأجر» فإنه يرسل إلى الطلبة الغرباء المستأجرين لدى هنرييت بول النقود كعائدات إضافية لهم. والحقيقة التي لا يختلف عليها دارسو الأدب السيمينوني هي أن جورج سيمينون لم ينقطع عن سرد حياته. ويكفي أن نجري مقارنة بين روايتة «ثلاث غرف في مانهاتن» مع الظروف التي التقى فيها مع تلك التي أصبحت زوجته الثانية وإحدى وساوس حياته، لنتأكد أن سيمينون جعل من تجربته الذاتية منهلاً لرواياته التي كانت تستغرق منه كتابتها بضعة أيام فقط.
يؤكد مؤلف الكتاب أن الرواية بالنسبة إلى جورج سيمينون هي البحث عن النفس، عن الإنسان، وهو بكتابته لرواية ما يشير باقترابه من الإنسان «إنني أدخل في جلد الشخصيات».
ونستطيع أن نطلق اسم الرواية النفسية على مجمل روايات سيمينون، ولا سيما إثر كتابته للعديد من الروايات البوليسية التي أبدع فيها، والتي تدور حول جريمة سرقة أو قتل ودراسة سلوك شخصياتها وأفعالها ونوازع النفس البشرية المتأرجحة دوماً بين الخير والشر. وهنا لا بد وأن تكون الرواية وجدانية وواقعية وتحليلية ونفسية في أن معاً. وكان قد أكد في مقابلة تلفزيونية أجراها معه برنار بيفو أن هدفه في رواياته إنما هي معرفة النفس البشرية والسعي إلى الغوص في عوالم الحياة البشرية الغنية والمغلقة. ويؤكد اسكين في كتابه على هذا التوجه لدى سيمينون لأن حياته بمجملها النهمة والشرهة في كل شيء كانت ضرباً من الهروب إلى الأمام، بحثاً عن عالم الإنسان، ذلك العالم الذي يهرب أمامه كالأفق كلما دنا منه.
لقد فرض جورج سيمينون نفسه بلزاك عصره، ليس بسبب الكم الكبير من الروايات التي كتبها وإنما بسبب التقنية الفنية التي اعتمدها لفرض نفسه على الجمهور بحيث أن هذا «الروائي» البخاري لا يمكن أن يتبخر دخاناً.