مجرّة الدم

يوسف أبو لوز

* دار الخليج




الشعب وليمة الديكتاتور . كان طفلاً كأي طفل آخر يحب الحلوى والدمى، لكن مربيته وحارسه لاحظا أنه يحب المكوث أطول الوقت تحت الشمس . طفل لا يحب الشمس ولذلك يقف مثل المسمار تحتها ليعلن تحدّيه الشرس لهذا القرص المتوهج الذي يرمز إلى الحرية .

يتخلّص من طفولته بسرعة . يلقي بألعابه وأجراسه وثياب طفولته إلى أقرب صندوق، فالطفولة لا تليق بطاغية أو ديكتاتور . عليه أن يكبر بسرعة لكي يأكل الشعب .

في كهولته، لا يتوكأ الديكتاتور على عصا من خشب السنديان، بل يتوكأ على عصا من العاج أو من العظام . الأغلب أن عصاه من العظام . . من ذلك الهيكل العظمي لشاب في العشرين من عمره . شاب قوي تصلح عظامه لأن تكون عصا أو حتى هراوة .

في العادة لا يشيب الديكتاتور . الشعر الأبيض لا ينمو على رأس طاغية كلما تقدم في العمر تحوّل وجهه إلى اللون الأحمر . يقبع في قلعة من الظلال . وله تاريخ مكتوب باللون الأحمر . تاريخ خلفه تماماً، أما مستقبله فهو في هذه الوليمة التي لم يحضرها ولم يأكل منها لا كتفاً ولا ضلعاً أو فخذاً أو صدراً . . ولكن ها هو الزمن يعيد نفسه . الزمن وليس التاريخ، فلكل زمان ومكان ديكتاتور ووليمة .

الزمان: القرن الثلاثون بعد الألف .

المكان: كوكب مجهول في مجرّة الدم .

نحن الآن في المستقبل . حرقنا عشرات ومئات السنوات لنكون في زمان آخر ومكان آخر، ولكن لدينا الكثير من مدوّنات الماضي التي هي مدوّنات التاريخ .

لدينا ما يقول إن بإمكان رجل واحد أن يأكل مدينة أو يحرقها أو يحاصرها أو ينكّل بها .

لدينا ما يقول إن بإمكان رجل واحد، أن يأخذ بلداً بأكمله إلى هاوية .

لدينا مجرّة الماء ومجرّة الدم . دم كثير في مدن كثيرة لا يغسله كل ماء العالم المالح الذي يسقط من عين الإنسان .