أقصر القرون في التاريخ
خيري منصـور
* دار الخليــج
ما قيل عن القرن العشرين إنه أقصر القرون في الألفية الثانية يتراجع أمام هذا القرن الجديد . ما قيل عن القرن العشرين إنه بدأ مع الحرب العالمية الأولى وانتهى مع سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، لهذا فهو أقل من ثمانين عاماً، والحقيقة أن القرن الحالي بدأ هذا العام أي في ،1911 وكأن العقد الأول منه كان مجرد امتداد للقرن الماضي وحصاداً لما زرع فيه، سواء في ما يتعلق بالحروب أو الحراك الرأسمالي الذي بلغ ذروة توحّشه في العولمة .
القرن الحادي والعشرون يصعب على أي مرصد سياسي أو فكري أن يحزر نهايته، فقد لا يستمر حتى نهايته التقليدية، خصوصاً أن التضاريس السياسية للعالم، ومنه الشرق الأوسط، لن تبقى على ما هي عليه بعد الاحتفال المقبل برأس السنة الجديدة، فثمة نظم توارت عن المسرح السياسي وصراعات حشدت في الربع الساعة الأخير كل ما ترسّب منها خلال ستة عقود كالصراع العربي الصهيوني، ففي هذا الشهر وقبل نهايته سيكون الاعتراف بفلسطين كدولة عضو في الأمم المتحدة بمنزلة خطوة حاسمة قد يترتب عليها ما هو غير محسوب أو متوقّع، إذا أصرّ الفلسطينيون على ترجمة المثل الشعبي القائل: “عالجها بالكيّ على موقفهم” .
إن قرائن عدة وحيثيات من مختلف المناحي تجزم بأن القرن الجديد لم يبدأ بالفعل قبل هذا العام، وسواء كان العقد الأول منه مجرد امتداد للقرن الماضي أو دوزنة وتأهيل للعزف على وتر القرن الجديد، فإن جردة الحسابات كلها قدمت بعد أن دشن هذا العام 2011 حقبة انقلابية قد تطال مفاهيم التاريخ الكلاسيكي وتستثمر ما كان حتى الآن مجرد كلام نظري في العولمة وحذف مصطلحات سياسية من المعجم الدولي منها بل في مقدمتها مصطلح السيادة .
شهد القرن العشرون حربين كونيتين هما في الحقيقة أشبه بالبيوض التي وضعت في القرن التاسع عشر وانتظرت موسماً أو حاضنة ملائمة للتفقيس، فالتاسع عشر هو قرن الأيديولوجيا بامتياز .
وفي منتصفه صدر البيان الشيوعي الذي انتظر ما يقارب السبعة عقود كي يترجم ميدانياً وسياسياً إلى ثورة أكتوبر الروسية، وفي ذلك الوقت وبتزامن مع صدور هذا البيان حدث ما يسمى الربيع الأوروبي الذي يقارن الآن بشيء من التعسّف التاريخي مع الربيع العربي الراهن، لاختلاف البواعث والنتائج معاً، فالأحداث التاريخية لا تتكرر إلا بإحدى صورتين هما المأساة أو الكوميديا، وما يجري في الواقع العربي يخلط على نحو فريد بين الحالتين، وسوف يشهد الناس بعد رحيل هذا العام أن استرجاع أحداثه لا يشبه أي عام آخر سبقه، فما كان يتطلب حدوثه عقداً أو أكثر حدث في أسابيع، وانفجر فيه المؤجّل بحيث بدت المسألة أشبه بتسديد مديونيات تاريخية تراكمت لأكثر من نصف قرن .
هذا القرن ينافس سابقه بأنه أقصر القرون بمقياس، وأطولها بمقياس آخر .