دولة غسان كنفاني

يوسف أبو لوز

* دار الخليج




لا هي شرقية ولا غربية، وزيتها وزيتونها يضيئان في الكتابة وفي اللحم المتطاير من الظهر تحديداً حيث تأتي الرصاصة من الخلف، أو تنفجر سيارة الروائي الوسيم في بيروت، ولم يزل طعم قهوة الصباح على طرف لسانه .

دولة صغيرة جميلة حدودها بعض شجرات البرتقال وأعشاب الزعتر النحيلة التي يحبها قلب الفلسطيني . ولا يوجد فيها ثورجي قوي الكتفين أبدى استعداده ذات يوم لترقيص أبناء جلدته على “عشرة ونص” .

غسان كنفاني لم يطلب دولة الكتابة، دولته، من مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، ولم يذهب إلى بيت أبيض أو أحمر أو أخضر لكي يسجل اعترافاً بمكانه الروائي التراجيدي الذي يموت فيه البشر تحت الشمس في خزان مغلق على الرعب والخوف .

لا شكل لدولة ذلك السردي الفلسطيني إلا في المخيلة، لكن غسان كنفاني كانت مخيلته لا تخرج عن حدود حلمه البسيط بساطة فلسطين التي تنسكب مثل العطر من قارورة مستطيلة تبدأ من رأس الناقورة، وتنتهي عند بئر السبع، أو عند نهايات الجنوب في النقب . . وما أطيب كلمة “جنوب” .

كلما نقرأ ونسمع ونتابع إلحاح السياسي الأنيق على دولة أنيقة أيضاً، دولة جاهزة معترف بها قبل ترسيم حدودها، ومعترف بها قبل اعترافها بذاتها، يذهب بنا القلب إلى استعادة كنفاني وغيره ممن ذهبوا بقلوبهم وأجسادهم إلى الله قبل أن يستعينوا بالشيطان .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول الفلاح الفلسطيني اليائس تماماً والمتفائل تماماً، ذلك “المتشائل” تماماً أيضاً مثلما وصفه إميل حبيبي قبل أكثر من ثلاثين سنة فلسطينية هلالية وقمرية، وكانت آنذاك تنتشر على الخريطة دول ناجي العلي، ومعين بسيسو، وعبداللطيف عقل، وفدوى طوقان، وإلى آخره . . إلى آخره ممن يستعصي ويستحيل على أحد أن يرقّصهم على “عشرة ونص” .

“إدبك” أخي العربي الفلسطيني على إيقاع الدولة وإيقاع الفكرة .