|
|
قاسم مسعد عليوة: لن نقيم تأبيناً للقصة القصيرة
الشرطة أضاعت رواياته الأولى وأهله حرقوا مكتبته
عاش الكاتب المصري قاسم مسعد عليوة نصف قرن من الإبداع الثقافي، فضلاً عن دوره في اكتشاف الكتّاب وتقديمهم للواقع الثقافي عبر بعض المجلات والصحف، يكتب القصة والمسرح والنقد، وأخيراً فاجأ المثقفين برواية فاتنة أصدرتها سلسلة روايات الهلال المعروفة هي رواية “الغزالة” بعد عدد كبير من المجموعات القصصية والمسرحيات وكتب الأطفال ربما أهمها: “الضحك”، و”تنويعات بحرية”، و”صخرة التأمل”، و”حدود الاستطاعة”، و”غير المألوف”، و”خبرات أنثوية”، و”لا تبحثوا عن عنوان . . إنها الحرب”، و”أنشودتان للحرب”، و”غير المألوف” .
نالت روايتك “الغزالة” تقديراً نقدياً تستحقه . . لماذا تأخر هذا الاقتران الأدبي بالرواية إلى نهاية الرحلة؟
كانت لي علاقات حميمة مع الرواية في مرحلتي المراهقة والشباب، في مرحلة المراهقة، الفترة التي يعتقد فيها المرء أنه قادر على الإتيان بكل شيء، كتبت إلى جوار القصص القصائد والمسرحيات والروايات أيضاً، وروايات طور مراهقتي كانت إعادة صياغة للأفلام السينمائية التي أشاهدها والروايات والمسرحيات التي أقرؤها .
أما في شبابي فقد كتبت روايتين، إحداهما لم تتم، الرواية الأولى كانت بعنوان “العبور”، كتبتها أثناء حرب الاستنزاف في أواخر ستينات القرن الماضي وراجعتها عقب حرب ،1973 أما عنوان الرواية الثانية فهو (تحت التمرين)، وكنت قد بدأت في كتابتها بعد خروجي من السجن السياسي في العام ،1975 وكادت تكتمل قبيل العام ،1977 وسبب عدم اكتمالها هو المطاردات البوليسية التي أفقدتني الكثير من فصولها، فقد كنت أخبئها لدى الأصدقاء مع كل مطاردة، ولم أنجح إلا في استعادة فصل منها، فقمت بنشره في مجلة (أدب ونقد)، وأتمنى لو تمكنت من استئناف كتابة هذه الرواية، فالجرح لم يحدثه فقداني أغلب فصول هذه الرواية فقط، وإنما أحدثه أيضاً قيام أهلي أثناء اعتقالي في العام 1974 بإحراق مكتبتي وسائر إبداعاتي ما عدا ما تمكنت زوجتي من إنقاذه، وهو قليل جداً، خوف المحبين كان هو مبررهم الوحيد .
قدمت في الرواية رحلة مجازية فلسفية عن صوفي وتابعه، على الرغم من فوران السياسة بها، لماذا وأنت الكاتب الموجوع بالسياسة اتخذت هذا الإطار تحديداً؟
غير قليلة هي الروايات العربية التي حكمها الإطار الصوفي، لذا فإن صوفياتها بحكم هذا الاحتواء هي صوفيات تمثل وتلبس، ونادراً ما تتجه إلى نقد الفكر الصوفي، أنا شخصياً لم أقع على رواية من هذا النوع، في حين أن (الغزالة) قائمة على نقد الصوفية من هذه الناحية؛ واسمح لي بأن أصف الصوفية التي تقدمها روايات التمثل والتلبس بأنها صوفية زائفة، لأن كتّابها ليسوا بصوفيين، وإنما هم للتقريب أشبه بالممثلين الذين يؤدون الأدوار الدينية تأديتهم للأدوار الإجرامية والجنسية، أما (الغزالة) فرواية مختلفة استخدمت المنجز الجمالي الصوفي في نقد الصوفية ذاتها، وقد سألت نفسي أثناء الكتابة، هل يمكن للمنجز الجمالي الصوفي أن يكون أداة للتقدم؟ . . هذا ما حاولت الرواية الإجابة عنه؛ ولأن السياسة داخلة في كل الأمور الحياتية مادية كانت هذه الأمور أم معنوية، فإنه من الطبيعي أن يكون لها وجود ملحوظ في (الغزالة) التي هي ببساطة كلمتي إلى العالم في وقت ظننتُ فيه أن مفارقتي له قد أوشكت .
كيف تنظر إلى هذا التقاتل المصطنع بين الشكلين الأدبيين: القصة والرواية؟
هو بالفعل تقاتل مصطنع، فكلتاهما، القصة القصيرة والرواية، متمم للآخر . . وبحكم احتكاكي الوثيق بميدان الكتابة الأدبية ومطالعاتي للقصص القصيرة والروايات التي يكتبها الشباب، أنا متفائل جداً بمستقبل هذين النوعين الأدبيين، نعم هناك غثاء كثير، لكن الأصيل من القصص القصيرة والروايات يبهج المتابع كمّاً وكيفاً، بإمكاني أن أذكر لك عشرات الأسماء، وعلى وجه العموم لدى العرب، كتاب لهذين النوعين الأدبيين يستحقون وصفهم بالأفذاذ، أثروا السرد العربي وطوروه .
أنت بشكل ما تتعاون مع هيئات الدولة الثقافية لماذا رضيتم؟
ثمة لبس وخلط يقترنان في أذهان البعض عن المؤسسة . . أشر لي تجاه شخص واحد، مجرد شخص واحد يعيش في مجتمع إنساني، لا يتعامل مع المؤسسة . . لاحظ أنني قلت (يتعامل) ولم أقل (تعامل)، أي أنني استخدمت صيغة المضارع لأن التعامل مع المؤسسات دائم ومستمر وحياتي . طبعاً سيقال المقصود هو “مؤسسات الدولة”، وبتحديد أكثر “المؤسسات الثقافية المملوكة للدولة”، وبتحديد أكثر دقة مع الضغط على الحروف، للتأكيد، أقول إنه ما من مثقف حتى ممن يقولون إنهم ضد مؤسسات الدولة الثقافية في مصر إلا ارتبط بها وتعامل معها، وقد حرصتُ في تعاملي معها على تحقيق واحدة من أصعب المعادلات، وهي أن تتعامل مع المؤسسة وتحتفظ في الوقت نفسه باستقلالك الفكري وموقفك المعارض . . وأظنني قد حافظت على الاثنين: الاستقلال والمعارضة .