|
|
ونعدكم بأبنائنا
قصـة: ديمة بعاج
* الثورة السورية
في مطلع قرن جديد عندما انتهينا ولم تنته البشرية بانتهائنا هامت أرواحنا نحن الشهداء في السماء راضيةً مرضية
إلى أن أتى يوم تعكر فيه صفو السماء حيث تضاءل القمر على غير عادته في مثل هذا الوقت واصفرت الشمس أكثر بكثير من عادتها وهي تسمع أخباراً لم تقدر على حرقها ثم لم يكن منا نحن الأرواح الهائمة في الأعلى إلا أن نجلس ونشاهد بصمت مجريات الأحداث:
قررت لجنة محايدة كما تدعي مكونة من أمريكا وأغلبية الدول الأوروبية أن تقوم بمشروع إعادة إعمار في الأراضي الفلسطينية على أن تكرر المحاولة في حال نجاحها وكعادة الغرب في التعامل مع الشرق وبدون إذن أو مشورة تعهدت تلك اللجنة بتنفيذ المشروع وبإحضار المعدات والعمال لبناء بناية من طابقين في الطابق الأول تسكن عائلة أبي حسن الفلسطينية المؤلفة منه ومن زوجته عيشة وثلاثة أولاد حسن وأحمد وليلى.
وفي الطابق الثاني تسكن عائلة أبي داود اليهودية المؤلفة منه ومن زوجته هيلينا وابنه داود. وبما أن أبا حسن له باع طويل في البناء فقد أوكل إليه المهندس الذي يتكلم اللغة العربية بطلاقة مهمة الإشراف على العمال طبعاً مع إخفاء حقيقة الممول الأساسي للمشروع ومع إخفاء هوية العائلة اليهودية التي ستسكن فيما بعد.
بدأت الآن عملية البناء بسلام عادل شامل كما قالت اللجنة المحايدة تماماً!! فوق بقعة تضم أكبر عدد من قبور الفلسطينيين أزيلت القبور من فوق الأرض تمهيداً لحفرها، وهنا ذهلت أرواح الشهداء في السماء واحتدت قائلة:
لكن هذه قبورنا
اختلطت أصواتهم بصوت البلدوزر وإذ ببعض الهياكل العظمية تعلق بشفرته الأمامية وتتطاير هنا وهناك ليتناثر غبار الجماجم في كل مكان والبعض الآخر اشتبك بالظفر الخلفي للبلدوزر والقليل المتبقي ظل مدفوناً بقدرة قادر في مكانه ومن ثم ردمت التربة وسويت للوصول إلى المنسوب المطلوب.
وبعد ذلك أُتي بأبي حسن الذي لم يعرف بأمر القبور وما فعلوه بها.
صرخ أبو حسن: مدوا الخنزيرة بشكل صحيح وتأكدوا من عدم انزياحها.
شُكّل إطار من الخشب حول مكان وقوع المبنى لتبدأ مرحلة صب القواعد، ومن ير توتر أبي حسن وصلابته في العمل يحسب أنهم صبوا الحديد في دورته الدموية.
لا تفكوا الخشب قبل يومين.
واستدرك قائلاً: رشوا القواعد لسبعة أيام بالفجر وبعد الغروب لتزيد صلابتها ومن ثم اعزلوها جيداً بالقار. اردموا القواعد أكثر بالرمل.
وكانت هيلينا كلما رأت من نافذتها أبا حسن متراكضاً من هنا وهناك ضحكت قائلة:
يجب تهدئة هذا الرجل فنسبة الأدرنالين مرتفعه جداً عنده.
وما كاد أبو حسن يلتقط أنفاسه ويريح العمال قليلاً منه حتى عاد من جديد ليتابع مرحلة ربط القواعد ببعضها.
ألم تتعاقدوا مع مقاول كهرباء لأنه يجب أن ينهي عمله قبل صب الميدات ودفنها وإياكم أن تفكوها قبل يومين.
لدى سماع الأرواح كلمة دفن تأثرت ورثت لحال أجسادها التي عاشت التجربة من قبل
قال المهندس: لا عليك يا أبا حسن فنحن لا يمكن أن ننسى أمراً كهذا.
ما إن انتهى اليوم الثاني حتى هرول أبو حسن بالصلابة المعروفة عن الفلسطينيين في العمل إلى الموقع وهو يصرخ بالعمال:
جلّسوا الأرض بالماء، ضخوها جيداً ليخرج الهواء فتصبح أقسى، أخاف أن تهبط.
التفت أحد العمال مجيباً: لا تخف يا أبا حسن.
تابع أبو حسن: لكن قبل أن أنسى أين هو السباك؟ أم ترانا سنتبول في النهر!
ومن ثم فرشت الأرض بالبلاستيك والحديد وصبت بالبيتون بعد ذلك.
وفي المساء عقد اجتماع عاجل من قبل اللجنة المحايدة تماماً للعائلتين. سأل رئيس اللجنة بصيغة من اتخذ قراراً: هل تريد أن تسكن في الطابق الأول يا أبا حسن لأن جارك لا يريد؟
أجاب أبو حسن: كما تريدون فأنا لاحظت أن جاري أبا عمر يحب الهدوء وهو لن يحتمل ضجيج الأولاد إذا سكنّا فوقه، أظن أن هذا هو اسمه كما ذكرتموه مرة أمامي.
وأكمل أبو حسن وهو يقذف الكلمات من فمه بعيداً لئلا تتحقق:
وإذا نضح السقف في الطابق الأول لا سمح الله فلن يستطيع أبو داود إصلاحه هو لا يملك وقتاً لتوافه الأمور.
أجاب رئيس اللجنة: أحسنت.
وفي اليوم الثاني تابع أبو حسن مرحلة صب الأعمدة ووزنها بكثير من الصبر ثم قال: هناك ميلان في العمود، هاتوا البلبل واشقلوا به فالبلبل يكذّب الغطاس.
وطبعاً لم يعره أحد انتباهاً، فهمس في سره: الله يستر، فأنا لا أعرف من أين حصل هذا المهندس على شهادته.
اهتزت الأرواح في الأعلى موافقة على كلامه وقالت: معك حق.
وعندما جاءت أخيراً مرحلة البناء وصب الأعتاب، أيقظ أبو حسن أولاده وهو يقول: سوف نصب البُلُك ونبدأ ببناء الجدران لتتضح معالم الغرف في بيتنا سوف يكون لكم أجمل بيت.
أشرف أبو حسن على مسألة خلط البيتون وبعد أن تم مزج الحصى والرمل بالإسمنت والماء صرخ أبو حسن: أضيفوا الجبصين، بطئوا التصلب.
وكمن فقد جواده في الصحراء صاح مرتعباً: كمية الحصى غير مطابقة لما هو متفق عليه في العقود إذ يجب أن تكون ضعف كمية الرمل.
أجاب المهندس: سنأتي بالمزيد.
تجهم أبو حسن قائلاً: صلاحية الإسمنت عادة ثلاثة أشهر ولقد فات على هذا الموعد الكثير.
أمسك المهندس بزمام صبره وقال وهو ينظر بطرف عينه لرئيس اللجنة: لقد تم استبداله يا أبا حسن لتطمئن بالك وتتجول أنت وأسرتك في المكان وتريهم بيتهم الجديد.
سأل أبو حسن: أين عائلة جاري أبا داود ألا يريدون رؤية المكان.
أجاب رئيس اللجنة: لقد غادروا وسوف يعودون بعد أيام.
تجول أبو حسن في المكان وهو يشير بيديه: هنا ستكون غرفتكم يا أولاد، وهنا سنضع سريرك يا حسن.
وطبعاً كان حسن أصغر من أن يفهم كلمة سرير لكن من حماس والده وتدليله له فهم أن شيئاً جميلاً بانتظاره، ثم تابع أبو حسن: وهنا سنجلس ونحتسي.. ولكن مهلاً ما هذا؟
تطاير رذاذ زلزال من فمه وصرخ: ما هذه البلك التي قمتم برصها، يجب أن يكون حجمها 10سم حتى يرتاح السقف عليها.
وكما يقال إن للجدران آذاناً فهاهي قد سمعته، إذ ما كاد ينطق بكلماته حتى هبط السقف وانهار المبنى وغارت الأرض وكأن هذا اليوم قد خص عائلة أبي حسن وحده بما يشبه يوم القيامة، وكانت مصادفة مقتلهم محايدة تماماً كتلك اللجنة المحايدة تماماً، لكن السماء لم تستطع أن تبقى على الحياد أبداً فقد احمرت على غير عادتها بعد أن نزفت فيها أرواح الشهداء الذين راحوا يستشهدون مرة ثانية وثالثة، وتعذبت أرواحهم التي لم تستطع أية معركة أن تنال منها ولم تستطع بقية الأرواح تهدئتهم أبداً.
دوت صرخاتهم في السماء: يريدون محو السلالة الفلسطينية من على وجه الأرض.
ولما سمعت بعض هياكلهم العظمية المدفونة تحت البناء المنهار والتي ظلت متشبثة بمكانها طيلة فترة الحفر والبناء الصرخة اقتلعت قضبان حديد الأساسات من محاجر عيونها ومن حلوقها المتيبسة وبحثت عن حسن الصغير بين الركام ودفعت به بأقوى عزم للموت إلى الأعلى لينتشله أحد أقوى الأسود ويحتضنه ويركض به نحو الحياة من جديد.
وهنا فقط لمعت السماء وسلطت سيوف برقها على من عاث فساداً في الأرض وهدأت أرواح كل من سكن فيها إلا أرواح الشهداء الذين رددوا بنفس واحد:
نعدكم بسلالة لا يعرف قلبها الخوف، نعدكم بأبنائنا.
ومن يومها مازالت السماء تمطر أحجاراً.