دموع التماسيح قصة: الكسندر تشيخوف ترجمة: باسم الزعبي

* الدستور الأردنيـة





تلبدت السماء بالغيوم. المطر يضرب زجاج النوافذ، جالباً الكآبة إلى النفس. وقف بوليكارب سيميونوفيتش إيودين إلى جانب النافذة، وراح ينظر إلى الشارع شارد الذهن.

راح يفكّر. كان إيقاع تفكيره منسجماً مع إيقاع بكاء السماء: "ما هذه الحياة التي نعيشها، في الحقيقة؟ إنها كتاب ذو صفحات كثيرة، خُطّت عليها معاناة وأحزان، أكثر من البهجة والفرح.. لأي شيء نحن مُنحنا الحياة؟ من أجل ماذا؟ فالرب، تراه، لم يخلق العالم من أجل الحزن! لكن النتيجة كانت عكس ذلك. فالدموع أكثر من البسمات.

سحب إيودين يده من جيب سرواله وراح يحك مؤخرة رأسه، مواصلاً تفكيره: "نعم، لم يكن هناك فقر في مبدأ الخلق، ولا خيانات ولا رذائل، لكنها في الواقع موجودة. من أوجدها هم البشر أنفسهم. البشرية هي من ولد هذه المآسي. والسؤال الذي يُطرح: من أجل ماذا؟ لماذا يحدث ذلك؟"

سحب يده اليسرى، أيضاً، من جيبه، ومرّرها على وجهه بحزن. "ترى، من السهل جدا معالجة الأحزان.. لا يتطلب الأمر، سوى وجود الرغبة. على سبيل المثال، تسير مراسم دفن شخص ثري. ست جياد مجلّلة بالسواد، تحمل نعشاً مهيباً، ومن خلفه يسير رتل من العربات، يمتد إلى مسافة فرسخ تقريباً. حملة المشاعل يسيرون بوقار حاملين المصابيح. وكانت تتأرجح على الجياد شعارات كتبت على الكرتون. إنهم يشيعون شخصية مهمة، على الأغلب إن المتوفى عين. هل عمل هذا الوجيه ولو عملاً خيِّراً واحداً في حياته؟ هل جلب الدفء لمشرد واحد؟ بالطبع، لا.. إنه مجرد شخص استعراضي!

ما بك، يا سيميون إيفانيتش؟

إنني أجد صعوبة في تسعير البدلة. باعتقادي إنه لا يجوز إعطاؤها أكثر من ستة روبلات، أما هي فتطلب سبعة؛ تقول: الأولاد مرضى، يحتاجون إلى المعالجة.

وحتى ستة روبلات كثيرة، إنها لا تستحق أكثر من خمسة، وعليك أن تتأكد من خلوها من البقع، أو الثقوب..."

هذه هي الحياة. أما خلف حملة المشاعل، فقد كان يتمدد نعش مصنوع من خشب الصنوبر. ومن خلف الموكب كانت امرأة عجوز ضئلة الحجم، تمشي، وحيدة، متثاقلة، تغوص قدماها في الوحل، وقد تكون، تريد أن تدفن في القبر مؤنة يومها.. هل ستطلب شيئاً؟ وهل ستعطيها السيدة، التي تجلس في العربة، ولو كوبيكا واحدا؟ بالطبع، لا. ماذا هناك، أيضاً؟

أحضرت العجوز معطف الفرو. كم نعطيها؟

إنه فرو أرنب بري. لا بأس، المعطف يستحق خمسة روبلات، بجدارة. أعطها ثلاثة روبلات، مع الربح، بالطبع.

"أين هم الناس؟ في حقيقة الأمر، أين هي قلوبهم؟ الفقراء يموتون، والأثرياء لا يعنيهم ذلك.."

أسند إيودين جبهته إلى الزجاج البارد، وشرد بعيداًً...