شهيق . . زفير

يوسف أبو لوز

* دار الخليج






لو كان المرض رجلاً لقتلته .

ولكنه أحياناً، يتمظهر على صورة رجل . . رجل أصفر، صموت، ولكنه مباغت، يلدغ كالعقرب أو كالأفعى، بسابق إنذار ومن دون إنذار، يفتك بالحياة والجمال، ويوقف الضحك، ويحول الكائن البشري إلى تمثال، ولكن حتى التمثال المريض، يهجس بالأمل ويحلم به، فينينهض من الجمود، إلى الحركة والحياة، أجمل وأخف وأرقى .

لو كان المرض امبراطوراً لهجوته، ورميته بالحجارة .

. . ولكنه المرض، الرجل الأصفر المفاجئ، الذي هجم بغتة على الشاعر زياد العناني، زياد الشعلة من الفرح والمحبة والاحتفاء بالحياة . زياد الفتى الجريء، الراكض وراء الغزالة الخضراء التي اسمها الكتابة في جبال ناعور، تلك الجبال التي مدّدها، ومرنها على التنفس، شهيق زفير، شهيق زفير، هكذا يكتب ويعيش زياد العناني، وهكذا سيظل يعيش ويكتب رغم أنف الرجل الأصفر الذي وخزه خلسة من ظهره، فأدار زياد وجهه إلى الخلف، وابتسم، فأصيب الأصفر بالرعب من مجرد نظرة شاعر . شاعر عينه قوية وقلبه قوي، لذلك ابتسم، ومن له مثل هذه القوة في العينين لا تخف عليه .

يكتب زياد العناني، وهو شاعر أردني ترى في ثقافته وحضوره العالم كله بلا جغرافيا ولا انتماءات ضيقة فكرية أو جهوية أو مصالحية أو انتفاعية، يكتب قصيدة نثر مبنية على المعلوم دائماً وليس على المجهول . قصيدة صافية مثل الغيوم التي تقترب من بيته في ناعور وتبوسه وتبوس قلبه .

قصيدته ملمومة ومضبوطة . انضباطية شعره تكمن في مرجعياته الثقافية، وقبل الثقافة، تكمن في الحياة التي يعيشها وسوف يعيشها زياد في عمان وفي مادبا والفحيص وجرش وصويلح ومرج الحمام، أماكن، نعم، أماكن يتجول بها هذا الشاعر الخفيف النظيف فكرياً وسياسياً وثقافياً، بل، يتجول شاعر النثر الذي حوله إلى ايقاع نقع عند قراءته أسرى لصدقيته وعفافه، يتجول في ذاكرتنا التي تحفظه عن ظهر قلب، من قلبه وحتى قلبه .

زياد العناني كله قلب .

صحيح أنه الآن يتكلم بصعوبة من لسانه، ولكن قلبه يرفرف مثل الصقر، صقر ينقر عين الأصفر، الذي أساء إلى قلوب الكثير من الشعراء، لأنه لا يحب الحياة .

لو كان المرض إنساناً، لرجوته أن ينسى صاحبي، فالشعراء ليسوا قتلة ولا طغاة .

الشاعر طفل يلهو باللغة والوردة، وإذا كان لابد من أن يمرض فليمرض بالحب .

لو كان المرض رجلاً، لرجوته أن يعشق امرأة، ويكتب الشعر . زياد، قم، ثانية، اكتب، ورفرف، وابتسم، لكن لا تلتفت هذه المرة أبداً إلى الخلف .

زياد . . شهيق زفير . . شهيق زفير، فالبحر ينتظرك عند الشاطئ .