|
|
خوذة من ورق
خيري منصور
* دار الخليج
مقولة إعلامية متكررة، لكن على نحو يمزج المأساة بالملهاة، هي ما يردده كل نظام عربي في لحظاته الحرجة، فهو ليس كالآخرين، ورئيسه ليس كبقية الرؤساء، فهو الاستثناء، وهو الذي كما يقول المثل العربي، على رأسه حزمة من الريش وليس ريشة واحدة .
هذا النمط من التفكير يفتضح ثقافة تأسست على الاستعلاء والنظر إلى الآخر بوصفه تابعاً وليس شريكاً، وبداية هذه الثقافة كانت من المجتمعات ذاتها، حيث يفكر كل فرد فيها بأنه الاستثناء أيضاً من الموت والمرض والضعف والفقدان، إلى أن تأزف اللحظة التي تدحض هذا الوهم والاعتقاد الخاطئ .
وحين يتحول السجال بين أنظمة إلى مفاضلة بين العنيد والأكثر عناداً، ويصبح التنافس على عدد القتلى والجرحى والمشردين، فإن المشهد بأسره يصبح بحاجة إلى مقتربات أخرى لقراءته، فالنظم شبه الشمولية في العالم كله تصاب بحالة من الشذوذ السياسي المرادف للشذوذ النفسي، لهذا يتوهم الديكتاتور بأنه خالد، وأن ما يحدث للآخرين هو معصوم منه، إلى أن يرتطم رأسه بالسقف، كما يحدث “للمضبوع” الذي يلحق الضبع الذي زفر في وجهه إلى المغارة ولا يصحو إلا إذا ارتطم رأسه بسقف المغارة وسال الدم، لكن بعد فوات الأوان .
من الطبيعي أن تكون هناك فوارق بين ما يحدث هنا أو هناك، فالثورات في التاريخ ليست متجانسة، ولا يمكن زجها في سلة واحدة، رغم أن القواسم المشتركة بينها تبقى قابلة للتكرار وهي ثالوث الفقر والظلم والاستبداد .
لكن هذا الثالوث لا يصنع الثورات وحده، وهذا ما أشار إليه بحصافة نادرة جان جاك روسو عندما قال، إن الوعي بالشقاء هو ما يصنع الثورة، أما الشقاء وحده فهو موجود على امتداد التاريخ .
الثورة الفرنسية التي يجري الاستشهاد بها في هذه الأيام، كانت من طراز تاريخي آخر ولا يمكن مقارنتها بما يجري في عالمنا الآن، وكذلك الثورة الأمريكية وغيرها، والأقرب إلى ما يحدث في العالم العربي هو انتفاضات شرقي أوروبا والثورات التي تدرجت ألوانها من البرتقالي إلى الأحمر .
فما يبدأ سلمياً قد لا يستمر كذلك، إذ لا بد من مواجهة تصاعد العنف بعنف مضاد، وهنا تلعب عوامل عدة في عسكرة الانتفاضات الشعبية، منها الانشقاقات في صفوف الجيش .
إن من قالوا لسنا كغيرنا وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أسوأ حالاً ومصيراً من ذلك “الغير” الذي تعالوا عنه، وتوهموا أن ما أصابه لن يقترب من حدودهم .
فالعدوى ليست حكراً على الأمراض أو على ما هو سلبي في حياتنا، النجاح له عدواه وكذلك الذكاء وأعمال الخير، لكن هذه العدوى الإيجابية أو العدوى الحميدة، تلعب دوراً في نقل غبار طلع من نوع آخر ويؤدي وظيفته في الإخصاب التاريخي، لأن التغيير في حال نجاحه يُفرز مناخاً مُشْبَعاً بشعاراته، ويوقظ لدى الآخرين تحفزاً واستجابات كانت مؤجلة .
إن اختلاف هذه الاستجابات سواء من حيث منسوب القوة أو الإيقاع، لا يعني على الإطلاق أن هناك من هو في مأمن من عواصفها، وقد يُؤْتَي الحذر من مأمنه، كما يقال . نتمنى أن يفضي هذا الحراك العربي، على اختلاف أسمائه التي لا تغيّر من جوهر الأمر، إلى إنهاء صلاحية الثقافة العوراء التي يَتوهم كل فرد من خلالها أنه نسيجُ وحده، وأن ما يصيب الآخرين لا يقترب منه . فالفؤوس الآن قاب مجزرتين أو أدنى من الرؤوس رغم ما يغطيها من الخُوَذ .