مليون ليلة وليلة

خيري منصـور

* دار الخليج





لم تكن الألف ليلة وليلة التي ألفها الوجدان الشعبي سوى ثلاثة أعوام أو أكثر قليلاً، ولم يكن في زمانها إنترنت و”فيس بوك” وهواتف جوالة، ولم يكن أيضاً في تلك الأيام والليالي إعلام فضائي وإعلانات مبوبة، لكن زمننا هذا ومنذ ربع قرن على الأقل يحتاج إلى أوركسترا من المؤلفين يقودها جنرال . فثمة أكثر من مليون ليلة وليلة في حياتنا تستحق أن تروى للأجيال المقبلة، لكن ليس كالحكايات التي تروى للأطفال كي يناموا، وقد سبق بالفعل أن كتب الشاعر الراحل عفيفي مطر حكايات للأطفال كي لا يناموا، خشية من أن تتحول مهودهم إلى لحود . ولكي يبقوا ساهرين تحت القصف الذي يستهدف من خلالهم المستقبل برمته .

المليون ليلة وليلة ليست أفراحاً بقدر ما هي أتراح قومية بامتيازين، الامتياز الأول سياسي وهو يتلخص في هذا الطلاق البائن بين الفاعل والمفعول به، والامتياز الثاني هو أن عرب هذه الليالي الجديدة والمضاءة بالقنابل والحرائق وليس بالكهرباء التي لم تعرفها الليالي الألف وأهل زمانها .

فعدد القتلى العرب بأسلحة عربية وأوامر صدرت بالفصحى وليس بالعبرية أو أية لغة أخرى أضعاف عدد من قتلوا في الحروب مع الأعداء، لأن نظرية ظلم ذوي القربى التي بشر بها الشاعر لبيد تحولت إلى ناموس تاريخي، بحيث أصبح أعنف خصام هو ذلك الذي يدور بين الأشقاء الألداء، وأحياناً بين التوائم .

وقد تشكك الأجيال المقبلة بما تقرأ أو ترى لأنها سوف تنوء بهذه الحمولة الشاقة من إرث الدم وأيام العرب الجديدة التي تبدو أيام العرب الأولى في جاهليتهم بالنسبة لها مجرد دعابة بالسيف، فالقتل في المليون ليلة وليلة يتم بالجملة . وثمة مصطلح جديد هو المقابر الجماعية التي يتم الكشف عنها في زمن المليون ليلة وليلة بعد فوات الأوان، وذلك بدلاً من الكشف عن مخزون الذهب والماس، وما تراكم في باطن الأرض ومن عليها، فالفحم الآن بشري وليس حجرياً كما كان .

فلا امرؤ القيس وذووه الذي استغاث بقيصر الروم كي يثأر منهم، ولا الأوس والخزرج ولا الغساسنة والمناذرة ولا أية ثنائية صراعية وثأرية كهذه الثنائيات بلغت ما بلغته المليون ليلة وليلة، والتي كان من منجزاتها المأتمية القتل على الهوية وأحياناً على مجرد الاسم، إذا كان دليلاً إلى طائفة .

فكيف وبأية عبقرية استدار العرب المعاصرون ألفي عام وقطعوا المسافة إلى جاهليتهم المؤتمتة والمؤدلجة بوساطة طائرات حديثة، وطوروا السيف كي يصبح دبابة تسحق الناس بالجملة؟

ذات يوم، سيحل كتاب المليون ليلة وليلة مكان ذلك الكتاب القديم . ولن يكون الحب فيه هو بطل الحكاية، بل الكراهية ولن يضطر المستشرقون في مرحلة ما بعد الحداثة لقراءة المليون ليلة وليلة كي يكتبوا عنها دراساتهم أو يترجموها، لأنهم باختصار أسهموا في تأليفها أو على الأقل يعرفون من أسهموا فيها جيداً فهم على مرمى شاشة فضائية منهم .

سيكون لرامسفيلد سطور في المليون ليلة وكذلك للسيدة رايس وآخرين من جنرالات العدالة العَوْراء وسَدَنة الليبرالية الجديدة .

ومن يدري لعل هذا الكتاب القادم سوف يترجم إلى اللغة العربية وليس منها، لأن المؤلف المجهول في الليالي الألف معلوم جيداً في الليالي المليون .