عيد الغفلي أشهر رواة السيرة الهلالية في الإمارات

لم تكرمه أي جهة معنية بالتراث







لاشك أن الأزمنة المعرفية لا تكرر نفسها!، لذلك فإن أي ضياع لأي منتج ثقافي،معرفي، إبداعي، وقائع تاريخية، جغرافية، سياسية، علوم، وغيرها من الأحداث التي شهدتها الأمة وورثتها عبر أجيالها المتعاقبة . واختفت ولم تسجل أو تؤرخ . أو تنقل إلى الأجيال اللاحقة هو ضياع حقيقي لتلك الذاكرة والتوجس الذي يؤخذ دوماً على الذاكرة الشفاهية . توجس في معظمه مسبق . وفيه نوع من المغالاة .

وبهذا لو صدقت النيات في تجيير الفجوة ما بين الذاكرتين . وتحويل الشفاهي إلى المقروء المعمم لكان إغناء أكثر للذاكرة المحلية، والتي ربما يكون لها شأن عظيم في مقبل الأيام . خصوصاً أن الذاكرة الآن . ذاكرة الحاسوب الذي يسحق أمامه أخضر العالم ويابس الثالث .

يُعَرّف قاموس لاروس التراث الشفهي بأنه: (مجموعة التقاليد من أساطير ووقائع ومعارف ومذاهب وآراء وعادات وممارسات) أما قاموس روبير فيُعرف التراث الشفهي بأنه: (انتقال غير مادي للمذاهب والممارسات الدينية والأخلاقية المتوارثة من عصر إلى آخر بواسطة الكلمة المنطوقة) .

والعلم عموماً لا يكون منظماً في مرحلته الأولى فهو يبحث في مسائل متنوعة لا رابط بينها إلا أنه يعتمد فيها على الروايات وآراء العلماء نعم كان العلم جسداً واحداً ليس له فروع وكلما تطور العلم رام إلى الاختبار والجزم ولم يكتف بأقوال الرواة وآراء السابقين، وفي المرحلة الثانية يُنظم العلم وتجمع مسائله المتعلقة بموضوع واحد في مجموعة واحدة لتصبح فرعاً مستقلاً نوعاً ما .

ففي العصر الجاهلي مثلا كهانة وكلام في النجوم والرياح وطب تنتقل من جيل لآخر بالرواية، كذلك جاء بعد البعثة العلم الديني إلى قبيل الدولة العباسية ومع ذلك لم تستقل العلوم بعضها عن بعض فليس هناك علم في الفقه وآخر في التفسير بل العالم يكتب ويقول في كل العلوم جملة وفي القرن الثاني تميزت العلوم بعضها عن بعض فعلم العهد الأموي كان رواية العلماء من حفظهم أو من بعض الصحائف يوجد فيها مسائل لعلوم متفرقة لغوية وحديثية وفقهية ولكن ومع هذا القرن كذلك لم يعد المحور الكتاب والحديث وحسب، بل جاءت العلوم الدنيوية من طب وفلسفة وطبيعيات مع تأثر كل هذا بالدين طبعاً ولكن لكل علم منهج وأسلوب خاص .

يظن البعض أن التدوين لم يحدث إلا في العصر الأموي وهذا في ما يبدو غير مقبول فإن التدوين كان موجوداً قبل البعثة في اليمن والحيرة وشيء في الحجاز، فأخبار الحميريين وحوادثهم منقوشة على الأحجار وتُكتشف بين الفينة والأخرى وبعد ذلك كتبة الوحي وتدوين السنة كما فعل عبدالله بن عمرو الذي قال عنه أبوهريرة (فإنه كان يكتب) وقال عن نفسه (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام أريد حفظه)، ورسائل النبي عليه الصلاة والسلام كانت تكتب وفي كتاب (الفهرست): أن عبيد بن شرية الجرهمي وفد على معاوية فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وأمر افتراق الناس في البلاد فأجابه على ما سأل فأمر معاوية أن يدون وينسب إلى عبيد بن شرية وله من الكتب (كتاب الأمثال) و(كتاب الملوك وأخبار الماضين) .

مَرت عملية جمع الرواية االشفهية بعدة مراحل، فكانت المرحلة الأولى هي: رحلة الرواة إلى الصحراء .

وقد استمرت مرحلة الأخذ عن البادية مشافهة حتى أواخر القرن الرابع الهجري، ومن هؤلاء الرواة أبو عمر عيسى بن عمر الثقفي (49ه) وتلميذاه الخليل بن أحمد (1745ه) ويونس بن حبيب (182ه) . ومنهم أبو عمرو بن العلاء (154ه) وتلميذه النضر بن شميل (203ه)، وأبو زيد الأنصاري (215ه)، وعبد الملك بن قريب الأصمعي (217ه)، والكسائي (189ه)، وتلميذاه أبو عمر الشيباني (206ه) والفراء (207ه) . ثم يعودون بهذه المادة العلمية لتملى على الطلاب وتروى في مجالس الخلفاء .

المرحلة الثانية وتمثلت في رحلة البدو الفصحاء إلى الحواضر والدافع لهذا ما رأوه من إقبال الرواة عليهم، وهي فرصة للتكسب وطلب الرزق، ومنهم أبو البيداء الرياحي الذي نزل البصرة وكان يعلم الصبيان فيها بأجرة وأقام بها أيام عمره يؤخذ عنه العلم وأبو مالك عمرو بن كركره، كان يعلم في البادية وفي الحاضرة، وأبو عرار وأبو زياد الكلابي قدم بغداد أيام المهدي، وأبو سرار الغنوي، وأخذ عنه أبو عبيدة، ولم يستمر هذا التكسب فتوقف مع أواخر القرن الرابع لفساد فصاحتهم وحتى الذين في البادية طالهم ذهاب الفصاحة وترك النقل عن الأعراب في أواخر القرن الرابع وهو ما قرره ابن جني (322-392ه) بقوله: (لو فتشنا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاص عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، وترك تلقي ما يرد عنها، وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا، لأنا لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً) .

المرحلة الثالثة وتمثلت في نقل التلاميذ عمن أخذ عن الأعراب، وهم معظم تلاميذ الرواة كأبو حاتم السجستاني (248ه) والتوزي (230ه) وأبو علي الحرمازي وأبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي (52_ه) والعباس الرياشي (257ه) وأبو نصر الباهلي (231ه) . وعن هؤلاء التلاميذ نقل العلماء الكبار في جميع الفنون وأغلبها ما يتصل بالأدب والتاريخ والتفسير .

تمتد الإمارات على شريط ساحلي يبلغ طوله 650 كيلومتراً في حدود المياه الإقليمية للدولة من حوض الخليج العربي، جعلها منطقة تجتمع فيها ثلاث بيئات طبيعية، جزء شرقي يشكل بيئة جبلية، وجزء شمالي وشمالي شرقي ذو طبيعة ساحلية، وجزء جنوبي غربي يمتاز بطبيعة صحراوية وهو يحتل أكثر الجهات مساحة في البيئة الجغرافية للدولة .

ويتركز غالبية سكان الإمارات في المنطقة الساحلية، مما جعل للبحر أثراً فاعلاً في السمات الشخصية للمجتمع تجاه سبل الحياة المعيشية آنذاك .

هذا التنوع في البيئة الجغرافية لإمارات الدولة أسهم بقوة في تحديد ملامح الحياة الاجتماعية الأصيلة لدى كافة فئات المجتمع .

إن الحديث عن الناحية الاجتماعية لابد وأن ترجع أصوله وجذوره الأولى إلى حياة الآباء والأجداد والأسلاف الذين حفظوا للأجيال المتعاقبة تراثهم بما كانوا عليه من طبائع وعادات وتقاليد اعتبرت سمتاً لهذا المجتمع وسمات مميزة له خلال فترات الزمن المتتابعة .

كان للناس في كل إمارة آنذاك حالتان للسكنى . ففي فصل الشتاء يقيمون في مساكنهم الدائمة ويسمونها “الديرة”، أو “لِبُلاد”؛ وفي فصل الصيف يخرجون من هذه المساكن طالبين الهواء البارد في المساحات المتباعدة عن البلد حيث المزارع والمياه الجوفية العذبة، سواء كان ذلك في الإمارة نفسها أو في منطقة أخرى من الإمارات . ويبدو في سكنى الصيف مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية حيث يلتقي أهل الشرق مع أهل الغرب مشكلين أحياء سكنية مؤقتة يتعرف فيها بعضهم إلى بعض . وكانت لهم عادات تظهر في الصيف وقد لا توجد في الشتاء .

شخصياً لقد قلت وكتبت ودعوت ولازلت أقول: إننا مدعوون لحفظ ذاكرتنا الشفاهية من الاندثار بتسجيلها وتدوينها وتيسير الحصول عليها . وجمع المخطوطات التي تتواجد هنا وهناك والعناية بها . والاهتمام بكل ما يمس الذاكرة والوعي الجمعي . خصوصاً وأن العديد من أصحاب الذاكرة، أو الذين لا عاشوا الأحداث . في المكان /الوطن . أو الذين عاشوا في شرق إفريقيا وسواحل الخليج غربه وشرقه والهند وباكستان . وغيرهم من كبار السن . أو من الذين لديهم خبرة الجبال والبحار والصحارى . وتجارب السنين . يرحلون دون أن يتم الاستفادة من ذاكرتهم الحافظة . وأسرار حياتهم الخفية والعلنية . بل إن أحداثاً فقدت تسلسل حصولها مما يجعل الدارس والباحث والمحب للمعرفة يلقى صعوبة في الوصول إلى بعض المعلومات التي تهمه .

تشرفت بمعرفة العديد من الرواة الجيدين لتراث الإمارات الثر، جلست اليهم واستمتعت بصحبتهم، تلك الجلسات التي أثرت حياتي وزادتني تعلقاً بهذا التراث الإنساني الذي لازال مظلوماً لم يأخذ حقه الصحيح واللائق من العناية العلمية، وأكرر كلمة العلمية، لانه إعلامياً قد أخذ حقه، إلى حد ما .

اسمحوا ان احدثكم عن شاعر وراوٍ يعتبر من أبدع وأشهر رواة السيرة الهلالية وأشعارها وهو يرويها بلهجة أهل الإمارات، بداية تعرفي على الوالد الشاعر عيد بن سعيد بن حسين الغفلي تعود إلى سنوات التسعينات حين عملت في مركز زايد للتراث والتاريخ الذي ورث فيما ورث عن لجنة التراث والتاريخ أشرطة سجلت فيها لقاءات أجريت مع شعراء ورواة من مدينة العين وضواحيها، بالصدفة استمعت إلى شريط منها وكان للوالد الغفلي، ورغم سذاجة الاسئلة التي كانت توجه إليه من قبل الشخص المحاور، وكان هذا الشخص على مايبدو بعيداً كل البعد عما يعنيه التراث ولايفهم قيمته التاريخية والاجتماعية والعلمية، من صيغة الاسئلة ورتابتها، حين استمعت إلى كلامه احببت رؤيته والتعرف إليه، ومما سهل الامر ان إحدى قريبات الشاعر تعمل معنا في المركز نفسه وقد تكرمت وسهلت لي مهمة الاتصال بأحد أبنائه . والذي قادني بالتحديد إلى منزل هذا الشاعر والراوي المهم، فكانت زيارتي الاولى له بتاريخ 14/4/2002 م، وكان حواري الاول مع هذا الشاعر والراوي المهم . لم تنقطع علاقتي بوالدي ان صح القول وتكررت الزيارات وقد نشرت حواري المطول الذي اجريته معه في كتابي “شعراء ورواة من الإمارات” الصادر عن نادي تراث الإمارات في عام 2005 م .

لم أشعر في حياتي بحميمية وروعة القرب من الإنسان الإماراتي مثلما كنت أشعر وأنا أجلس إلى كبار السن، هذه الشريحة التي نلتفت اليها فقط في المناسبات، أُناس خبروا الحياة وعركوها وعركتهم، لذلك فهم ليسوا بحاجة إلى ارتداء قناع كي يحدثوك او يحدثوني، وليسوا بحاجة إلى ارتداء وجوه أخرى غير وجوههم الحقيقية، التي تنم تعابيرها، حتى القاسية منها كما تبدو للغريب، وجوه تعبّر عن طيبة وعفوية وحُسن مَعْشَر خاصة عندما تتعمق وتتوطد أواصر الصداقة معهم . تلممتُ كل هذا وأكثر من مجالستي، منذ اللقاء الأول لي معه، أحسست اني اعرفه منذ زمن بعيد، وجهه يوحي بالإلفة والطمأنينة، تحس كأنك قد عشت معه من قبل كأحد أولاده، وهو يعاملك على هذا الاساس بعفوية، فيزيدك اطمئناناً وقربا، منه ومن ثم إلى المعلومة التي تسعى اليها كباحث، هكذا أحسستُ من طريقة معاملته لي .

متمهّل في كلامه، دقيق في وصفه، لاحظت هذه الدقة حين كان يروي بيت شعر وأعيده بعده وأُخطئ في نطق حرف يلاحظ ذلك فوراً ويصحح لي، لَمّاحْ، لسانه مبلل دائماً وطوال جلستنا بذكر الله، لاينتظر كثيراً كي يستدعي المعلومة وكأنه يقرأ في كتاب مفتوح، مع انه حفظ السيرة الهلالية وأشعارها من الاب والجد حسب قوله [ كنا نسمعها من ابهاتنا وايدودنا ] وليس من الكتب الرائجة حول التغريبة . صفة التّأني والأناة في الكلام أفادتني كثيرا كباحث، كان يتأمل وهو يسرد، يعطيك فرصة لتأمل المعلومة او الحكاية التي يسردها، بل ويستثيرك ويثير الأسئلة أكثر، رواة عدة التقيتهم حيث يسرعون عادة في [عَدّ القصيد] خاصة مما يتطلب مراجعات عديدة فيما بعد .

الأمر الذي أغراني أكثر للاستماع، والاستمتاع، طريقته في السرد، هارموني وارتفاع وانخفاض الصوت المتناغم مع انسيابية الأحداث، طريقته في رواية الأحداث بصوت راوٍ مسرحي، كأنه شاهد عيان يمثّل الأحداث كما سمعها من رواة قبله، فهو يروي بتمكّن سواء من ناحية سرد السّالفة /الحكاية الملحمة/التغريبة، والمحاورات بين الابطال، وخاصة المحاوَرات الشعرية المعروفة للتغريبة التي تُروى على لسان ابطال الأحداث .

خاصيّة أخرى تتميز بها رواية هذا الراوي هي محليّة المفردات التي يستخدمها، فهو ينطق الحكاية والاشعار بلهجة [ بدو الإمارات ]، وهذا يثير لدينا سؤال: تُرى هل عاش أحد أفراد قبيل بني هلال في هذه المنطقة منذ عشرات السنين؟

طريقته في السرد وجدتها مميزة، محببة، تشد المستمع وهو شخصياً اذا لم يسود المكان هدوء لايتكلم ويتوقف فوراً، ولايحب المقاطعة، او فرض اي تغيير على طقوس الجلسة التي كنا نجلسها، فهو مثلاً كان يقول لي تعال اجلس هني “قريباً منه” فهو من عادته حين يسرد الاحداث ويرتفع صوته بالقصيد يضرب على ساقي ضربة خفيفة حين يندمج في الأحداث، وأذكر انهم في تلفزيون الشارقة ارادوا مرة تسجيل حديث معه في منزله وجلسنا وقتها الجلسة نفسها على الارض وكنت قريبا منه كما اعتاد واعتدت، وحين طلب مني المخرج الابتعاد عنه رويداً رويداً كي يخرجني من الكادر لتكون صورته هي الظاهرة وحدها، انزعج وسألني مستفسراً ليش بَعت ؟ فقلت له المخرج يبغيك انت وحدك تكون في الصورة، غضب وتوقف عن الحديث وقال لنا: قوموا تعشوا . . في عبارة تنم عن انتهاء اللقاء .

في نهاية حديثي أود أن أنوّه ان هذه القامة الشعرية الكبيرة لم تكرمها أي جهة مهتمة بالتراث في الإمارات، لذلك ومن هذا المنبر أدعو وأوصي وبشدة إلى تكريم عيد بن سعيد بن حسين الغفلي .



* ورقة بحثية قدمت في الندوة العلمية التي عقدت على هامش يوم الراوي في الشارقة

* الذاكرة الشفاهية بين الغياب والتغييب، طالب المعمري، العدد 21 نزوى

* الرواية الشفوية بين الضرورة والضرار، تركي بن رشود الشثري، وَرّاق الجزيرة الأحد 22 شوال ،1430 العدد 13527 . Sunday 11/10/2009

* الرواية الشفوية بين الضرورة والضرار، جريدة الجزيرة السعودية، وَرّاق الجزيرة الأحد 22 شوال 1430 العدد 13527

* الشثري، المصدر السابق

* الدكتور سالم راشد بن تريس القمزي، مجلة التاريخ العربي/العدد28 خريف 2003م

* المصدر السابق