الكتاب ذاكرة البشرية

يوسف أبو لوز

* دار الخليج




يولد الكتاب من الذاكرة . .

قصص صغيرة، حكايات ومشاهدات، وقائع محفوفة بالمخاوف، وأحياناً بشيء من المسرّات، سرديات ليلية، أصوات ورائحة، صخب وهدوء، ضحك أبيض في صفاء الينابيع، وأحياناً دموع تسقط على الحجارة . . كل ذلك يختزنه المؤلف في طفولته، هذا الاختزان الذي يُسمى الذاكرة، ومن بعد، تفيض هذه الذاكرة بما اختزنته من حياة . . نعم، إنها حياة المؤلف، أولاً، في طفولته، حيث الأشياء والكائنات على فطرتها وعلى بياضها . بياض فقط، بياض يشبه وجه الورقة، هذه الورقة التي تمتلئ بالكلمات . كلمات وراء كلمات، هي في مجملها طفولة المؤلف الذي يكتب أحياناً بالمصادفة يصير “بطلاً” بالمصادفة، ولكن الطفولة ليست نهراً من رماد .

إنها حياة متحوّلة، حياة الكاتب الذي كلما تقدم به العمر اكتسب الخبرة والتجربة .

أحياناً، تفسد الخبرة فطرة الكاتب، وذلك عندما يصبح صانعاً . عندما يغرق في المعرفة، ويقال إن المعرفة شقاء، لكن مرة أخرى إلى الذاكرة، أي إلى الطفولة . كلما يتقدم الكاتب في العمر، تراه يعود إلى طفولته . يستدير إلى الوراء ليتخلّص قليلاً من الصنعة ومن المعرفة . بكلمة ثانية، يستعين الكاتب بالحنين الذي يأخذه إلى الصورة الأولى والمشهد الأول .

يولد الكتاب من الحنين . .

كتب الحين هي كتب الشعر، والشعراء دائماً طلليون حتى لو عاشوا في مدن الاسمنت والكهرباء والصخب . كل شاعر، وربما كل كاتب، يحمل طلله في قلبه، يحمل صحراءه على ظهره حتى لو كان يعيش في قلب الماء .

يولد الكتاب من الحلم . .

لا يكتفي الكاتب بماضيه الفطري، لا يكتفي بالطلل والحنين، بل يحلم، وعليه أن يحلم لكي لا تنضب ذاكرته . الحلم وقود آخر للكتابة، بالحلم، يصنع الشاعر أرضاً أخرى غير هذا الكوكب الذي يشبه الإكليل . إكليل من البشر أو عنقود من البشر، يحاول الكاتب الخروج منه بالحلم الذي يوسع مدى الذاكرة .

يولد الكتاب من أصابع المؤلف . .

هنا السر، سر في الأصابع التي تكتب، التي تعزف، والتي تولّد الإيقاع .

كأن علاقة “أبوية” بين الأصابع والإيقاع . بين الأصابع والموسيقا، هذه الموسيقا التي اسمها الكتابة .

الكتابة تاريخ العالم وذاكرته . . والكتب منذ فجر التاريخ وحتى البارحة هي حوامل ذاكرة البشرية وأحلامها وأشواقها التي تتحول إلى لغة هي صوت الحياة، وصوت العالم .