الغرابة الفاحشة ولعنة الانتحار
إسماعيل غزالي
* دار الخليج
لم تشهد حياة قاص سيناريو حوادث قاسية وتعاقب مآس حادة وغفيرة كما حصل مع القامة الباسقة في كتابة القصة القصيرة في أمريكا اللاتينية: هوراسيو كيروغا(1878 - 1937) .
وبعيداً عن النقاش المتوتر حول هويته، أرجنتينياً كان أو أوروغوانياً، فلحظة تأسيسه لقصة رائدة ملطخة بدمها الأمريكولاتيني الفواح، أمر أكيد لا يمكن أن يتناطح حوله كبشان .
رفض حياة المدن ونمط عيش البذخ، كان السمة الغائرة لعقيدة هيروغا الذي أشاح بوجهه عن كل ترف الطبقة الرفيعة ميمّماً شطر جنونه إلى المفازات، الأفق الحميم لتناقضات ذاته الشرسة وطباع شخصه الحاد .
وقصة وسادة الريش، صورة مبتكرة لأسلوب كتابة كيروغا المائز بالنقاء اللغوي والاقتصاد البلاغي والتركيب الايحائي الذي يتخلف وراء كل البساطة الموهومة التي تقدمها جملته المكثفة .
تسرد قصة وسادة الريش، حكاية اليسيا التي عقد قرانها على زوج منصرف لأشغاله الخارجية، دشنت معه حياة شبه سعيدة في بيت باذخ، لا يخلو بناؤه المتشعب من رعب، لكثرة ممراته وتناسل زواياه وغرفه وأصدائه الخريفية، يذكرنا ولو على سبيل طيف بعيد، ببيت “أوشر” المسحور في قصة ادغار الن بو .
تنقلب حياة اليسيا شبه السعيدة بعد شهور ثلاثة إلى تراجيديا بسبب مرض مبهم ألم بها، جعلها تنحل بشكل فظيع وتفقد وزنها وبهاءها الآدمي من دون أن يخلص الطبيب إلى نتيجة فعلية تشخص أعراض المرض الكاسح، الشيء نفسه يعجز عنه زمرة من الأطباء الآخرين، الذين أكدوا عدم صلة المرض المفجع بالأنيميا، ولا أي حالة شبيهة معروفة .
وهكذا لازمت الفراش وهي رهينة كوابيس وهلوسات، تتبدى لها في غمرة الحمى صور كائن مفزع، وحش على السجادة بجانب السرير .
تدبير النهاية في هذه القصة، يباغت القارئ، الذي يكتشف حقيقة مفزعة غير متوقعة بعد موت السيدة اليسيا .
فبقع الدم على الوسادة التي كانت تدعم رأس اليسيا في مناماتها الهذيانية استرعت انتباه الخادمة و جعلتها تنادي على الزوج وحيث حاولت رفع وسادة الريش صدمها ثقلها، ولحظتها يبقر الزوج بطن الوسادة ويقفان في ذهول، أمام مرأى وحش ملفع بريش الطيور .
الوحش الناجم عن الطفيليات العالقة بريش الطيور، تلك التي تحشو الوسادة، كان يمتص دمها في مكان صدغها عندما كان صغيراً في حجم بقة وأخذ يتفاقم حجمه مع كل عملية امتصاص إلى أن صار مهولاً وهو ما يؤكده الطبيب في تقريره المؤسس على فحصه المختبري .
إنها السعادة المغدورة، التي لم توفرها بالضرورة، امكانيات العيش الهائلة لطبقة الزوج النبيلة وهي الفكرة المأساوية التي حاولت رؤية كيروغا أن تجسدها كحقيقة متناقضة : الوسائل الباذخة لحياة الرفاه التي قد تقود إلى البؤس . سخرية مشفوعة بمناخ درامي يلبس كل قصص كيروغا الكئيبة كجلد طبيعي .
في القصة دائماً تبزغ الحكاية من أرض واقعية وتأفل في أرض عجائبية .
فهي توحي بطمأنينة مخادعة منذ البدء، حين تصدر لقارئها شعور أمان، كونها حكاية واقعية وعادية، ثم ما تلبث تنفض عنها صباغة الاطمئنان لتكشر عن مصير غير منتظر، وهو تلك الخاتمة الغرائبية الشبيهة في ضلع منها بأحد أضلاع الخيال العلمي، أو بما سيطلق عليه في ما بعد وبمرور عقود من الزمن بالمسخ .
ايحائية قصص كيروغا ومزجها الخلاّق بين التجربة الشخصية والمتخيل العجائبي وحرصه على تأسيس لحظة سردية تنهل من منجز القصة الامريكية والاوروبية مع اسباغها بخصوصية مكانه وتنامي خط ابداعه الذي تباين من الواقعي إلى الرمزي ومن الرمزي إلى العجائبي، بوأه قيمة جديرة كأحد أساتذة الرعيل الأول من كتّاب القصة في هذه الجغرافيا اللائبة وهذا ما لم ينكره له بورخيس .
أسفرت تأملاته في هذا النوع النزق، آراء فذة، دبجها في نظرياته الخاصة وأطلق وصايا شهيرة عرفت بعنوان دليل القاص الناجح أوالوصايا العشر للقاص الكامل .
وبانتحاره يكون قد أسدل شفق غرابة أخرى على اسمه اللعين . نهاية كأنما ورثها عن أقارب وأصدقاء قاسموه وجوده العنيف، وهي ذاتها اللعنة التي سيورثها لأسرته الصغيرة بانتحار أبنائه الثلاثة أيضاً .
إنها لعبة الموت التي نبغت حياة كيروغا في مسرحتها بشكل مثير، وتلك هي قصصه التي تنزّ بعرق الغرابة الفاحشة .