|
|
ذكريات فتاة الوشاح الأحمر
محمد إسماعيل زاهر
* دار الخليج
“لم أشك مطلقاً في ما علموني إياه” مقولة تتكرر بصيغ مختلفة للطفلة جي لي يانغ في رواية “فتاة الوشاح الأحمر” للكاتبة الصينية جي لي يانغ والتي تستعيد فيها ذكرياتها عن الصين خلال الثورة الثقافية خلال عامى1966و،1967 الرواية مكتوبة ببساطة وعذوبة شديدة، وتتوافر لها كل عناصر الأدب السياسي الناجح، وتنقل إلى القارىء أجواء المجتمع الصيني آنذاك، فضلاً عن أحساس طبيعي وغير مفتعل بالخوف يهيمن على مسارات السرد .
منذ الصفحة الأولى للرواية وحتى نهايتها لا تصادفنا جملة إقصائية واحدة لفترة تدينها المؤلفة بحرفية تحسد عليها، بل على العكس هناك شعور بالرغبة في التصالح التاريخي والمجتمعي يتسرب رويداً رويداً إلى وعي المتلقي .
تدور الرواية حول الطفلة جي لي يانغ التي تبلغ ثلاثة عشر عاماً، متفوقة في دراستها، تعيش حياة أسرية سعيدة، يتنبأ لها مدرسوها بمستقبل ناجح، تؤمن حتى النخاع وهي في هذا العمر ب”الاشتراكية الصينية” وبأفكار الزعيم ماوتسي تونغ، ومثل حالات كثيرة مماثلة يكتشف القائمون على مثل هذه الثورات وجود أفكار رجعية تعيق تطبيق مشروعاتهم، فيفكرون في خطوات صارمة تكمل ما بدأوه، وفي هذا المناخ أطلقت الثورة الثقافية في الصين، وتحولت حياة الطفلة جي لي يانغ إلى كابوس .
الثورة الثقافية صنفت الناس ليس وفقاً لتصرفاتهم أو حتى ما يؤمنون به، بل أبدعت ما عرف بتقصي الوضع الطبقي، فالوضع الطبقي لشخص مولود لأسرة كادحة يصنف على أنه أحمر ويلقى الدعم والتكريم من الدولة فضلاً عن الصعود الوظيفي، أما الشخص الذي ولد في أسرة ذات جذور ارستقراطية حتى لو كانت تعاني الفقر فيصنف على أنه أسود، يطلب منه التطهر عبر إعادة تأهيله وإن فشل فعليه أن يتحمل صعوبات العزل الاجتماعي، وكانت جي لي يانغ تنتمي من خلال جدها الإقطاعي الذي أفلس في أخريات حياته إلى الفئة الثانية .
يطالب القائمون على الثورة الثقافية من يانغ أن تعترف على أبويها من خلال إخبارهم بما يدور في المنزل من أحاديث برجوازية رجعية، ترفض الطفلة، وتترقب كل ليلة حملة مداهمة لمنزلها وهو ما يحدث في ما بعد ويتحول اليقين في المبادئ إلى الشك، إنها حالة خوف دائم وخيار موجع بين الفطرة والإيديولوجية .
الرواية لا تقيم محاكمة تاريخية لفترة ماوتسي تونغ كما قرأنا في أدبيات عربية وغربية عن حقب تاريخية مماثلة، برغم أن تصاعد أحداثها دفع بالأسرة إلى الهجرة من الصين، وتتدخل المؤلفة في فصل خاص كتبته بعد خاتمتها معلنة أنها لا تكره الزعيم الصيني، وتبرر ذلك باعتبار أنها فترة كانت أدمغة الجميع فيها “مغسولة”، وبالتالي فالجميع اشترك في الخطأ، وعلى الجميع الآن أن يتحلى بقيم التسامح والتصالح، فالبشر لا يعيشون إلى الأبد في جراحهم التاريخية أو يعملون على إعادة تدويرها والبكاء على ذكرياتها .