الرأس أم الرؤية؟
خيري منصـور
* دار الخليـج
أن تكون ثورة ما بلا رأس بالمعنى التقليدي للزعامة، فتلك تجارب بدت من ملامح هذا القرن، وهي تتناغم مع أطروحات حديثة تستبدل بالبطل الفرد بطولة جماعية، وكان الألمان في ثقافتهم الأدبية بوجه خاص قد بدأوا التبشير بالبطل المجهول مرادفاً للجندي المجهول، كرد فعل على حقبة سوداء في تاريخهم عندما ورطتهم أحلام البطل الفرد في كابوس لم ينته حتى الآن، ففي أوروبا الشرقية التي سميت لزمن معين بالحديقة الخلفية للقارة الأكثر تقدماً والأقل شباباً، حدثت ثورات برتقالية منها ما اقترب من اللون الأحمر، ولم يكن لهذا الحراك الشعبي أبطال محددو الاسم والهوية، وتكرر هذا لكن بوتيرة مغايرة في الحراك العربي .
وبقدر ما رأى البعض في غياب الرأس إيجابية، رأى آخرون أن غياب الرأس سوف يؤدي بالضرورة إلى انبثاق رؤوس عدة، ومنها ما يمتطي الموجة حتى لو لم يكن مسهماً فيها، وستبقى هذه الإشكالية مثاراً للسجال إلى أن تفرز هذه التجارب من صُلبها ثمارها .
لكن الأهم من غياب الرأس هو غياب أو تغييب الرؤية، لأن البوصلة عندئذٍ لن تكون صالحة لتحديد جهة أو مسار، وبديل غياب الرؤى هو الفوضى التي لا تكون خلاقة حسب المصطلح المنسوب إلى كوندوليزا رايس ومن عزفوا معها على هذا الوتر عندما رأوا في الشرق الأوسط مجالاً مناسباً لتجريب هذه الوصفة .
والرؤية ليست تصوراً نظرياً فقط، أو جملة من الأفكار المسبقة التي تلوي عنق الواقع وما يمور فيه من حراك كي يستجيب لها، إنها بالدرجة الأولى إدراك ووعي بما يهجع في بطن الواقع من ممكنات، هي في النهاية ومن خلال حاصل جمعها المستقبل، لأن المستقبل ليس منقطعاً على الإطلاق عن الحاضر وعن الماضي إلى حد ما، فهو ليس نبتاً شيطانياً أو رمية نرد أو ورقة يانصيب، لأن جذوره مهما ابتعد ضاربة في الراهن وما سبقه .
فالمطر، كما يقال فيزيائياً، هو مستقبل البخار عندما يتكثف، لكن هذا البخار كان أيضاً مستقبل الماء وهو يغلى، إنها دورة لكن من طراز آخر، وليست حلقة مفرغة أو دوراناً في فراغ .
فأين هي الرؤى التي يمكن رصدها في هذا الحراك؟ لم يحدث أن جرب المعنيون بهذا الشجن قياس منسوب الرؤى بقدر ما انصرفوا إلى التوصيف وبالتحديد لسطح المشهد .
لهذا بدأت نتائج الانتخابات في أكثر من بلد عربي شهد التغيير، تنوب عن الرؤى، وكأن هذه الرؤى تولد من الصناديق الحبلى بها، وهذا بحد ذاته أمر إيجابي، خصوصاً إذا كانت صناديق الاقتراع محصنة ضد التزوير والتلاعب، ومشهوداً لها بالموضوعية .
أنا بصدد تجارب منها ما هو غير مسبوق على الإطلاق، ما يعطيها بعداً تجريبياً قد لا يخلو من المغامرة، ففي الثورات السابقة كان العسكر هم السباقون بدباباتهم وبياناتهم ومارشاتهم، أما الناس فكانوا يتبعون هؤلاء، ويصفقون لهم، لكن ما حدث هو العكس فقد كان الناس بمختلف شرائحهم رغم بروز ظاهرة الشباب هم السباقون، وتبعهم العسكر هذه المرة، لكن هذا التآلف أو ما عبرت عنه شعارات الحراك بالقول إن الشعب والجيش يد واحدة، لا يمضي بسلاسة حتى آخر الشوط، وثمة لحظة يطالب فيها المدنيون باستحقاقاتهم السياسية، خصوصاً إذا أحسوا بأن العسكر استمرأوا السلطة أو حلموا باحتكارها .
والثورات خلال اندلاعها تحذف الفروق بين الاتجاهات والأهواء، لكن ما إن تبدأ بالاستقرار والتحول إلى دولة حتى تعود الفروق، والمثال الشهير في هذا السياق هو ثورة مايو 1968 في أوروبا التي حذفت الفوارق بين الطبقات التي ينتمي إليها الشباب، لكنها سرعان ما عادت وانتهى الأمر .





رد مع اقتباس