|
|
الديمقراطية في أول غيثها
خيري منصـور
* دار الخليج
ما من إصابة تطال شعباً برمته وتكون قاتلة بعكس ما يحدث للأفراد المتباعدين، وقدر تعلق هذه الإصابات بالسياسة ونظم الحكم خصوصاً الشمولي منها، فإن الشعوب تنجو أخيراً، لكن بكدمات في مختلف أنحاء الجسد، وبأنماط تفكير وسلوك منها ما يندرج في خانة الانحراف، لهذا ما أن يتجاوز شعب حِقبة من الطغيان واحتكار السلطة وفرض الوصاية على البالغين حتى يكون بحاجة إلى تأهيل، بدءاً من العلاج الطبيعي الذي يعيد للجسد عافيته وحيويته حتى العلاج النفسي، بسبب ما تراكم من مكبوتات واعتقادات خاطئة مُتسلطة على الناس لأن الطغيان يُنتج بالضرورة أزمات “ثقة” متفاقمة بين الناس وأحياناً بين الفرد وذاته، لأن غياب حرية التعبير المباشر تعوضه أشكال أخرى من التعبير المجازي واستخدام الأقنعة والحيلة، وهناك علماء نفس واجتماع دعوا إلى فحص جدّي لعينات من شعوب عانت من الحكم الشمولي زمناً طويلاً سواء كانت هذه الفحوص مجهرية لما يكظمه المحكومون داخل نفوسهم أو من خلال التحليل النفسي وتشخيص مواقع الخلل . وحسب ما رأى عالم نفس ألماني فإن اللغة أيضاً تتأثر بالنظم المتسلطة وتنكمش داخل المعاجم لأن حرية التعبير هي وحدها ما يتيح للغات أن تنمو وتتسع وتواكب العصر .
والذين ينتظرون بفارغ الصبر شفاء هذه الشعوب المصابة خلال زمن قصير أو بعد شهور من النجاة هم على الأرجح ممن لم يقرأوا التاريخ جيداً لأن أبسط البديهات تتلخص في أن الهدم والتدمير يتمان في سرعة فائقة وأحياناً خلال دقائق إذا تعلق الأمر بالعمران وكذلك أيضاً ما يتعلق بالتكوين النفسي للشعوب، بعكس البناء الذي يستغرق زمناً طويلاً خصوصاً إذا تطلب إفراغ الوعي مما ترسب فيه من مُضادات العدالة والعافية النفسية، وما يجري الآن في أعقاب الحراك العربي الذي راوحت وتيرته بين السرعة والبطء هو أن أول ما نجم عن هذا الحراك هو ما نسمعه من سجال يشارك فيه الأفراد العاديون الذين كانوا قبله يعانون من فوبيا التدخل في أي شأن سياسي، لهذا بدأت تطفو على سطح المشهد مصطلحات وتعابير كانت محظورة، ولم يَعُد الفرد جزيرة منعزلة داخل محيط لا تعنيه الجُزر الأخرى رغم أنها تعيش في البيئة ذاتها وتخضع للشروط ذاتها أيضاً، وهذا ما يمكن وصفه بلا تردد بأنه أول الغيث، وما سوف يعقبه بالضرورة هو نشوء استحقاقات سياسية لدى من عانوا لزمن طويل من عدم الاستحقاق بسبب الإقصاء أولاً والوصاية الباترياركية ثانياً وثقافة الخوف المملوءة بالكوابح والفزاعات ثالثاً .
لا سبيل إذن إلى حرق المراحل أو اختزالها فمن كانوا يسمعون بالديمقراطية والشفافية وحقوق البشر عن بعد، لابد لهم من تأهيل ينقلهم من مرحلة الزحف والتعثر إلى مرحلة المشي على ساقين، وإذا كان لكل ظاهرة من إفرازات التغيير أعراض جانبية، فإن العرض الجانبي الأول لما بدأ العرب يتعاطونه من ثقافة الديمقراطية وأدبياتها وتقاليدها هو هذا الصخب وما يصاحبه من اشتباك، فالحوار لايزال بأعلى صوت، ومن أدخر في باطنه لعقود غيظه وأشواقه وما حلم به سراً علينا أن لا ننتظر منه الهدوء والتروي وهو يعبر عن فائض الحرمان بالصراخ، وكأنه يصفي حساباً أو يُسدد مديونية للأمس الذي كان مترعاً من شروقه إلى غروبه بالشقاء .
ما نسمعه الآن هو القطفة الأولى من موسم مُثقل بالبراعم والممكنات ويخسر كثيراً من يقطف البراعم متعجلاً الحصاد قبل تحولها إلى عناقيد .