صُنِع وكُتِب هناك

خيري منصــور

* دار الخليـج






ما أكثر الحِكم والأمثال التي يتداولها العرب عمّا يسمّى في علم النفس مرَّكب النقص إزاء الآخر، لكن ما أقل الانتفاع بها، ومنها: مُغنيّة الحي لا تطرب، أو لا كرامة لنبيّ في وطنه، فحديقة الجيران هي الأكثر اخضراراً من حدائقنا، وما هو هناك أجمل مما هو هنا وبِمُتَناول اليد، قد تكون هذه سمة بشرية عامة، لكنها أحياناً تندفع إلى أقصاها بحيث يصبح كل ما هو محلي أقل جاذبية، وقد تنبّه إلى هذه الظاهرة مفكرون غربيون وعرب، منهم للمثال فقط د . فرانز فانون الذي كرس حياته وعمله كطبيب للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، ومالك بن بني المفكر الجزائري الذي لم ينل حتى الآن ما يستحقه من اهتمام .

وقد اتفق الاثنان على اختلاف مصادر الثقافة لكل منهما، على أن الشعوب المُسْتَعْمَرَة تظل تحمل في باطنها ولزمن طويل جرثومة من طراز غريب هي الإحساس بالدونية إزاء الغالب، وقد يكون العلاّمة ابن خلدون أول من تنبّه إلى هذا عندما كتب مطولاً عن افتتان المغلوب بالغالب ومحاكاته، لكن التحليل الحديث رغم ارتكازه إلى المفهوم الخلدوني الرائد، أضاف إليه أن المُسَتْعمِر يترك لدى ضحاياه بعد رحيله منظومة من المفاهيم والأفكار المضادة لهم، فهو يضع لهم صورة شائهة لكنهم لا يترددون في تَبَنِّيها ولو إلى حين .

والانجذاب الطوعي إلى الغالب في عصرنا ضاعف مما يسمى عقدة الخواجة، فأول ما تغير هو الأسماء، إذ نادراً ما نسمع أسماء جداتنا وأسلافنا وهي تطلق على أجيالنا الجديدة، وأحياناً نتبارى ونتنافس في تغريب وتعجيم هذه الأسماء بحيث لو ذكرت بمفردها دون اسم العائلة، تبدو من عالم آخر غير عالمنا .

حتى اللغة طالها هذا الانجذاب، فثمّة من يرطنون بمصطلحات فرنسية وإنجليزية في أحاديث يومية عادية، ويستخدمون مفردات لها عدة مرادفات باللغة العربية .

وحين يكتب صحافي أوروبي أو أمريكي عنا سرعان ما نتداول ما كتب وكأنه كلام معصوم من الأخطاء، رغم أن نسبة كبرى من هؤلاء تجهل تفاصيل واقعنا، إضافة إلى مرجعيات ثقافتنا وعناصر تكويننا الاجتماعي والتاريخي .

ويبدو أن المقولات عندما تُنسب إلى أحمد أو حسن أو عبدالله، تفقد الكثير من مكانتها وصدقيتها، لكنها عندما تنسب إلى توماس وهنري وجان تصبح أقرب إلى الأيقونات أو الحجارة الكريمة .

نحن نقرأ على مدار الساعة مقالات بلغاتها الأصلية أو مترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والعِبْرية والألمانية، ونسخر مما يرد فيها من أخطاء تاريخية وحتى جغرافية، لأن ذاكرة معظم هؤلاء لاتزال مسكونة بأشباح الاستشراق في مرحلته الكولونيالية وهي بالطبع أردأ مراحلها وأقلها التزاماً بالنزاهة والموضوعية .

حتى الصناعات خضعت لهذا الاستلاب في الوعي، فما إن نعرف بأن هذه السلعة أو تلك صنعت في بلد عربي، حتى تبدأ الشكوك في جودتها وجدواها، لكن الحَرْف اللاتيني حتى لو كان مُلفقاً في تايوان أو هونغ كونغ أو بكين يضمن لهذه السلعة رواجاً وإقبالاً، ولا ندري لماذا لا يلتفت واضعو المناهج الدراسية في الوطن العربي إلى ما قاله علماء ومفكرون وشعراء من مختلف الحضارات عن موروثنا العلمي والفكري .

لماذا لا نقول لأولادنا وتلاميذنا إن المستشرق الألماني “نولدكه” طالب ذات يوم حكومة بلاده باستبدال الإلياذة والأوديسة بالمعلقات الجاهلية السبع أو العشر . . أو ما كتبه غارودي في كتاب “حوار الحضارات” عن العرب والمسلمين ودورهم التنويري في تحرير أوروبا . سمعت ذات يوم من شاعر إنجليزي أنه يتمنى لو كان شاعراً عربياً، لكنّ ما يخيفه أن يَعْزف عنه العرب عندما يصبح واحداً منهم .