مع الشاعر التركي حلمي ياووز في trt التركية
موسى حوامدة
* الدستور الأردنيـة
الشاعر التركيّ حلمي ياووز من مواليد 1936، وهو شاعر معروف في تركيا، يعتبره البعض من أهم الشعراء الأتراك بعد ناظم حكمت، تخرج في جامعة لندن قسم الآداب والفلسفة، وعمل في إذاعة بي بي سي التركية، وأعد وقدم عدة برامج تلفزيونية عن الأدب والشعر، درّس في بضع من جامعات وما زال يدرس الأدب الحديث في إحدى الجامعات التركية في مدينة أنقرة، وهو شاعر حداثي لديه 18 مجموعة شعرية و24 كتاباً في النقد، والفلسفة، والفكر، ولديه ثلاثة كتب عن تاريخ الفكر الإسلامي، والإسلام والمجتمع المدني. حصل على ثلاث جوائز تركية في الأدب والشعر، وهو مُترجم إلى عدد من اللغات، منها: الإنجليزية، والفرنسية.
الشاعر ياووز ـ رغم معرفته وثقافته الواسعة في الشعر الغربي والثقافة الغربية، عامة، وانفتاحه الإنساني ـ كان من أبرز المعارضين لزيارة الكاتب البريطاني الهندي الأصل في. إس. نايبول، الحاصل على جائزة نوبل عام 2001، إلى إسطنبول، بسبب إهانته للمسلمين، وبسبب عنصريته وكراهيته للعالم الإسلامي، وللمرأة، وللزنوج، وللمسحوقين في العالم. نايبول نفسه، الذي تراجع عن الزيارة، كان تعرض لنقد حاد من قبل إدوارد سعيد، وديرك والكوت، واعتبره سعيد مبشراً بالكولونيالية والاستعمار، بل قال عنه بأنه تعبير عن كارثة ثقافية جعلته يتوقف عن التفكير.
التقيت الشاعر حلمي ياووز خلال برنامج لقاءات، الذي يعده تلفزيون trt التركي، والذي سيبثُّ، لاحقاً. وقد اكتشفت ـ خلال الحوار ـ أن عدداً من المثقفين الأتراك، ومن بينهم ياووز نفسه، ضد الخنوع للثقافة الأوروبية المركزية، كما فعل، ويفعل كثير من الكتاب الشرقيين والعالميين، الذين ينسلخون عن ثقافاتهم وينصهرون في الثقافة الغربية حدَّ مسخ الهوية الأصلية، وهم يتبنون قيمها ومدارسها ونظرياتها، وليس لغتها، فقط.
في الحوار مع ياووز تبين لي مدى تقصير العرب والأتراك والفرس والأكراد، وبقية الشعوب الآسيوية والأفريقية والأميركية اللاتينة بحق ثقافتهم، وعدم تواصلهم إلا عبر ما تسمح به الثقافة الغربية من ترجمات أو معلومات.
والمتتبع لحركة الترجمة، بين العرب والأتراك، يجد أنها قليلة جداً، وكذلك الحال مع بقية الثقافات الشرقية والعالمية، رغم أن العلاقات التركية العربية شهدت ـ منذ بداية القرن العشرين ـ تقاطعاً نتيجة الحرب العالمية الأولى، ونهاية الإمبراطوية العثمانية. لكن القطيعة دامت حتى اليوم، ورغم شيوع ظاهرة المسلسلات التركية لكنها ليست بديلاً عن التواصل الثقافي، الذي يتعمق بالحوارات والترجمات والتفاهم، خاصة في مجالات الأدب والإبداع والفن والثقافة، بعامتها.
حلمي ياووز مفكر إسلامي منفتح؛ يتقبل الآخر، ومستعد للحوار معه، لكنه لم يخلع جلده لكي ينصهر في الثقافة الغربية، هو معني بتدريس طلابه الحضارات الشرقية والفكر والمعرفة، من دون تحيز، ولكن مع الحفاظ على الأصالة والتقدم إلى الحداثة بخطى واثقة، وبروح منفتحة، وصلبة في حفاظها على هويتها وثقافتها، وهذا هو نقيض العولمة التي تريدنا أن نكون صورة مشوهة للغرب، ولما يجري فيه، بلا ضوابط وبلا حدود، كي نفقد خصوصيتنا، ونتحول إلى مستهلكين للمادة والثقافة والفكر وكل ما ينتج في الغرب.
نعم هناك مفكرون ومثقفون غربيون من المهم الاطلاع على تجاربهم ومعرفتهم، فالفكر ليس حكراً على بلد أو أمة دون الأخرى، لكن ما تسعى له العولمة هو السيطرة على العالم من خلال الثقافة، وليس من خلال السلع، فقط.
لا أريد الكشف عن مضامين الحوار، ولكن من المهم فعلاً أن نتعرف إلى الثقافة الشرقية، خاصة التركية والفارسية، بعيداً من قنوات الغرب وغاياتهم. وشاعر بحجم حلمي ياووز يجب أن يدعى إلى العالم العربي الذي لم يزره على الإطلاق.