|
|
عام اطول من عقد!
خيري منصور
* القدس العربي
عرف التاريخ عقودا اطول من حاصل جمع اعوامها، وكذلك اعواما اطول من ايامها، والعام الذي سيبقى عالقا بالزمن والتقاويم حتى لحظة ما بعد عناق عقارب الساعات هو الاطول من كل الاعوام التي سبقته، لأنها كانت مجرد تمهيد له، وتعبيد للطريق الوعر الذي يفضي اليه، كان طويلا بسبب ما اكتظ به من حراك جاء بعد استنقاع وكأنه يسدد مديونية مؤجلة، وكان مجالا حيويا بامتياز لاحداث تستغرق زمنا طويلا لو انها مضت بايقاعها التقليدي الرّتيب.
وما صدر فيه من القرارات الشعبية اهم باضعاف مما صدر فيه من كتب، لأن المثقف تراجع مُخليا الميدان والمكان للناشط السياسي. واذا كان هناك من قارنوا بين هذا العام وما حدث في اوروبا عام 1848 فان اوجه الشبه التي دفعتهم الى ذلك انستهم الفوارق، التي قد لا تكون واضحة، ففي ذلك العام الاوروبي صدر بيان من بضع صفحات بالحجم الصغير، تحول عبر مجمل مفاعيله الى ثورة كبرى، انتجت في ما بعد الحرب الباردة التي اعادت رسم تضاريس هذا الكوكب، بحيث اصبحت خطوط الطول والعرض فيه ايديولوجية، ولها مقياس رسم آخر، يتجاوز الالوان، لقد كان عام 2011 الذي ما يزال يبحث عن اسم يدرجه في خانة جديدة، على غرار عام الفيل وعام الرّيادة ولكن على نحو مغاير، اختبارا عسيرا للنخب العربية سواء كانت ثقافية او سياسية ذات اطر حزبية، فما حدث كان اقرب الى ما يسمى مكر التاريخ بالمصطلح الهيجلي. اذ سرعان ما خلت لحظة الغسق العربي من تلك البوم التي لم تكف عن النعيب عدة عقود، وان كانت تلك النخب كالعادة سارعت الى امتطاء الموجة، وبدأت تبحث في دفاترها القديمة والصفراء عن وثائق تبرهن على مقدرتها الاستباقية وحدسها ونبوءاتها، لكن من خلال تأويل قسري للغة يصل حدّ التّقويل والمزاعم.
بالطبع لم يبدأ حراك العام الذي يودعنا اكثر مما نودعه نحن في فجر اليوم الأول من يناير، فالسجون لم تكن خالية او محررة، والناشطون نساء ورجالا لم يكونوا عاطلين عن العصيان والتمرد والتبشير بالتغيير، لأن السيل وهو سيل دم لا ماء كان قد تجاوز الزّبى ولم يبلغها فقط. لهذا لم يكن على سبيل المثال من الصعب علينا ان نرى في ميدان التحرير بالقاهرة اناسا رحلوا منذ زمن بعيد، بدءا من عرابي وعبد الناصر حتى جول جمال وسليمان خاطر، اضافة الى الالاف ممن قضوا وهم يكدحون من اجل ترجمة احلام حولها العسف والنظام الباترياركي الى كوابيس، فالاحداث الجسام من هذا الطراز لها قيامتها وقَيمومتها معا، بحيث ينهض موتى ساهرون في قبورهم حتى لو تحولت عظامهم الى رميم، لأن لهم ارواحا تصغي الى النشيد ذاته الذي ماتوا من اجله، لكن السؤال يبقى معلقا حول المثقفين الاحياء الذين انفقوا معظم الطاقة والوقت في صراعات الديكة، وفقدوا اعرافهم ثم تفرغوا لمعالجة الصّلع. كان عاما اطول من ايامه وكانت لياليه التي تخلت عنها الكهرباء اطول من نهاراته التي تحالفت معها شمس فصيحة وسليطة النور فسقط من سقط، وراوح من راوح ولكن الباب بقي مواربا كعادته يصلح للخروج والدخول بالقدر ذاته، تماما كما تصلح السلالم للصعود والهبوط.
' ' '
ما صدر خلال العام الذي نشك في انه مضى لم يكن كتبا او دواوين شعر وروايات بقدر ما كان افعالا بدت لمن لا يتوقعها اشبه باجتراح المعجزات، فالشلل الروحي والبطالة السياسية كانا قد بلغا حدا ينذر بالموت، وكانت جموع بشرية غفيرة تترنح كما لو انها في طور الاحتضار، لهذا لم يتنبه القارئ الى ما كتب بالحبر بقدر ما انصرف بكل حواسه الى ما كتب بالدم، ورغم ان اي حراك سياسي له بواعث وجذور ثقافية الا ان هذا الحراك في النطاق القومي كله ظهر وكأنه منقطع عن تلك الجذور والحاضنات. وذلك بسبب غياب المثقف او اختفائه عن المسرح لفرط المباغتة.
ومئات الكتب التي كرست لنقد نظم سياسية وذهبت الى ما هو ابعد من النقد فطالبت باسقاط نظم بدت في الميادين لحظة الاسقاط الشعبي لتلك النظم كما لو انها لعبة 'ليغو' من ورق، ليس لأن السّيف اصدق انباء منها كما قال ابو تمام، بل لأن فائض الكلام قضم ارادة الفعل في زمن تحول فيه اضعف الايمان الى قاعدة ذهبية، ونسي الناس فيه ان الكلمة في كتاب لا تصدع بالكينونة لأنها بشرية وأرضية، لهذا لم يكن التغيير قد حدث عندما قالت له الكلمة كُنْ، لكنه كان عندما ترجلت الكلمات من الكتب والمعاجم وانشحنت بالفعل، فلم يعد بعد ذلك العشب مجرد حروف سوداء... بل أصبح عشبا مبلللا بالخضرة والندى !
' ' '
اسوأ ما يحاول المثقف العربي ترميم موقفه به او استدراك ما فاته من خلاله هو بذل الجهد لتبرئة الذات، ثم النبش في الأرشيف لعله يجد ما يسند هذه البراءة، وحقيقة الامر ان هذه المحاولات تنتمي الى براعة التقويل اكثر مما تنتمي الى البراءة بكل صكوكها.
ان البحث عن موقع الثقافة في هذه المشاهد الدرامية المتوترة سيكون بلا طائل اذا تم بمناهج وأساليب تقليدية او مدرسية، فالثقافة المحركة لهذه الجموع هي شحنة ما تراكم في الذاكرة الوطنية، ولأن لكل امة او شعب سَرديَته الوطنية، وبالتالي قشعريرته الخاصة، فإن بعدا واحدا من تلك الثقافة هو الذي عاش واقام في تلك الذاكرة وغذى السّردية بخلاف ابعاد اخرى لم تكن سوى نزيف نرجسية ذبيحة، لهذا قد تكون البرهنة مجددا على عدم كروية الأرض ودورانها اسهل من برهنة مثقف داجن وممالئ للسلطة على براءته، فالانسان لم يملك حتى الان معجزة تتحقق من خلال كونه ملقطا او قفازا لسلطة غاشمة ومناضلا في وقت واحد، فالحرباء قد تُضلّل ثعلبا او حيوانا يتربص بها من خلال مهارتها في تغيير لون الجلد لكنها لم تضلل الانسان بدليل انه حولها الى امثولة كما فعل بالنّعامة ايضا .
وكم كنا نتمنى لو ان من عاشوا بفضل سلطة ما ولعقوا احذية جنرالاتها ان يستمروا في الدفاع عن مواقفهم، ليكونوا صادقين ولو لمرة واحدة في العُمر، لكنهم سرعان ما تحولوا الى حرباوات وبدأ البحث عن احذية اخرى جديدة للعقها.
' ' '
افتضح العام الذي قد يتمدد الى ما يعقبه نمطا من ثقافة التأقلم والارتهان فلعدة عقود مضت انسحب معظم المشتغلين في الثقافة الى الشوارع الخلفية، وبدأوا يعتذرون عن اي فعل اقترفوه في ماضيهم له صلة بالسياسة، مثلما بدأوا يحررون نصوصهم من قضايا انسانية ووطنية تصوغ مصائرهم وتحدد منسوب نعيمهم وشقائهم، وكأن نظرية الفن للفن فقط انبعثت مجددا لكن في غير سياقها التاريخي ومناخاتها، والاستقالات الجماعية من الهم الوطني وشجون الناس لا يتم العدول عنها لمجرد ان الشعوب كانت ارشق في القفز الى ما حلمت به، وأي رصد لما كتب خلال العام الذي قد يستعصي على وداعنا له يقدم لنا شواهد على بؤس الشهود بقدر ما يقدم شواهد مضادة على ابداع الشهداء، فالشهيد حول ذاته الى نصٍّ مضيء، والشاهد توارى خلف مهنته منتظرا الكفة التي ترجح.
عام اطول من عقد، ومثقف يتسول من الأميّ شيئا من الارادة والكرامة والعصيان.
' كاتب من الاردن