حينَ أُنادي عليكِ يَتَعانقُ التُّفاحْ
شعر: يوسف المحمود
* الاتحـاد
بِداية
من أنا الآنْ؟
ولدًا كنتُ ألهو على
مفرقِ الريحِ والنّارْ،
كنتُ أعدو وراءَ رفوفِ اليمامْ،
كنتُ أرفعُ قلبي الملبَّدَ باسمكِ حتّى
أقاصيهْ
وقميصي المخططَ بالشهوةِ الماكرةْ،
بعصا الريحِ
كنتُ أسوقُ خيولَ الغمامْ
وأخاتلُ غاباتِ عينيكِ
ثمَّ أعضُّ جناحَ ابتسامتِكِ الماكرة.
...
من أنا؟
ما الذي مسّني؟
ما الذي يتصايحُ فيَّ
ويصرخُ بيْ؟
من تُرى في الصباحِ
ينادي عليّ؛ مليكُ العُصاةِ
وعندَ المساءِ نبيْ؟!
من تُرى
حين يلمحُ ظلّي
على الحجرِ المرِّ
والشمسُ زرقاءَ.. زرقاءَ
تسقطُ خلفي
يصيحُ:
انتبهْ يا صبيْ؟
...
من تُرى شقَّ قلبي
وأراقَ مرايايَ
فوق قشورِ صراخِ الزمانْ
...
من أنا؟
- أنتَ مَنْ؟
...
- ها أنا أنتَ..
كُنّا نجرُّ بحبلٍ منَ النّارِ قافلةَ الماءِ
في كلِّ وادٍ
ونرسمُ بالدّمعِ ظلَّ الحصانْ.
ها أنا أنتَ
قلبٌ طعينٌ
وعينانِ جارحتانْ.
وَحدة
أتوقّدُ كالفهدِ وحدي
وليلي طويلٌ وجارحْ.
زهرةُ النّارِ عرشي
وتاجي
ظلامٌ سحيقٌ
وأغصانُ غيمٍ تُغطّي الملامحْ.
تعالي ارفعيني
إلى كوكبٍ غامضٍ
وانزعي نحلةَ النّارِ من بينِ عينيّْ
فَقد لَدَغت عقربُ الارتباكِ
لساني
وضاقت عليَّ المطارحْ.
ليتَ عَيْني خَضراء كاللَّهبْ
زهرةُ الخرفيش
أُريدُ تلكَ الوردةْ
أشتهي أن أطعَنَها
لو بقلبي
أو بِفَمي المتيبّسِ كمنقارِ الطيرْ.
أشتهي أن أرى دمَها
يفورُ بين يديّ
لأشمَّ رائحة القشِّ والترابِ والكواكبْ.
أريدُ أن أطعنَهَا
حتى أرى مطلعَ الشمسِ في عُنقِها.
أُريدُ تلكَ الوردةْ..
....
من زَمانٍ
وأنا أحلمُ بِها
منذُ لمَحتُها دامعةً
بينَ أصابعِ شتاءٍ بعيدْ.
ليالٍ كثيرة
مَلأتْ سريري..
كانت تأتي
زرقاءَ كاللّهبْ
حارّةً كزهرةِ الخُرفيش العاريةْ
ومن شوكَتِها المدلاّةِ كلسانِ العصفور
تفوحُ رائحتها المتوَحّشة
وأنا.. من أعماقِ الليلْ
أقفزُ كالفهد
لكن..
لا أجدها.
تصرخُ الأشجارُ بين يدي
لَيتَني حطّابْ
عَيني خَضراءُ كاللَّهبْ
وموجعةٌ كعينِ الفهدْ
كلّ يومٍ
أَتوغَّلُ في الوعرِ
وتتبعُني حدائقُ الخرفيشِ والأقحوان
وحيثُما تَوجهتْ
تحومُ فوقي أسرابُ القطا
ومن حولي تَتَقافزُ الأرانب
عندما تصرخُ الأشجارُ اليابسةُ بينَ يديّْ.
القمرُ يَضحَكُ على كَتِفي
لَيتَني فلاّح
أَعدو في البراري والسهولِ الشاسعةْ
تُكلِّمُني الأشجارُ والسنابل
وحينما أستريحُ مُتوّجًا بالقشِّ والأغصانْ
تحتَ قبّةِ الضُّحى
وحصاني يلهثُ بجانبي
أُنادي على كلِّ شجرةٍ باسمِها
فتأتي أشجارُ التُّفاحْ
خجولةً كالعذراواتْ
ومن بعيد ألمحُ ابتساماتِ أشجارِ اللّوز
وهنَّ يترنحنَّ كالعاشقاتْ.
...
لَيتَني أَمضي وراءَ المحراث
فَتَفورُ الأرضُ بروائحِ الترابِ والمطر
وتُرافقُني أسرابُ الطُّيور
ومن وراءِ الصخورِ العاليةِ البعيدة
تُطلُّ عليَّ الظِّباءْ
حينما تسمعُ حدائي
....
وفي أيامِ الحصاد
أَعودُ كلَّ مساء
والقمرُ يَضحَكُ على كَتِفيْ..
الشمسُ في يَميني
ليتني راعٍ
عَيني زرقاءُ كالحبر
ومحيّرة كالحقولِ البعيدةْ.
أَخبُّ بينَ التِّلالْ
الشمسُ في يَميني
والقمرُ على جَبيني
عَصايَ خَضراء
خَطفتُها ذاتَ يومٍ
عَن أَغصانِ الفَجر
وحفرتُ عليها اسمَ حبيبتي
بأصابعِ نَجمةْ.
...
من شبَّابتي
يهيجُ الفراشُ
ويملأُ الحقولَ والوديانْ
وعزيفُها
يُوقظُ الجنَّ في شقوقِ الجبال
ويُنعِّسُ نوارَ القُندولْ
...
وفي كلِّ يومٍ
أعودُ في المساء
وأنا أَجرُّ حبلاً طويلاً منَ النُّجومْ
خَلفي تُبرِقُ عيونُ القَطيع
وتفوحُ مني رائحةُ البَراري
ومن جَديلَتيّ يَتَساقطُ النُّوارُ كالمطرْ
فأَشمُّ رائحةَ النَّار
وأَسمعُ صَفيرَ الشَّياطينِ
في مخيلاتِ النِّساء
وهنَّ يَنظُرنَ إليّ
من خلفِ الورودِ الهائجةِ عَلى النَّوافذ..
وحينَ أُنادي عليكِ
يَتَعانقُ التُّفاحْ.
...
هذا اسمُها
هذا اسمُها..
يَمتدُّ بينَ الغيمِ والغاباتِ
مَتبوعًا بأسرابِ اليَمامْ
...
هذا اسمُها
المكتوبُ بالنَّاياتِ
والخرزِ الملوَّنِ والنَّشيدْ
اليومَ أعرفُ كَمْ عليَّ
بأن أُهاجِرَ في الجُنونِ
وكْم عليَّ بأن أَسيرَ على المياهِ
لكي أُغادرَ تأتأتي حينَ
أذكرَهُ أمامَ البحرِ والتُّفاحْ
كَم دارت الأشجارُ فيهِ
وردَّدتهُ كواكبٌ
خَوفَ الذّبولِ والانطفاءْ!
كَم أَسبلَت أَجفانَها الأنهارُ
بينَ حُروفهِ وتوسَّلتْ
كي تُتقِنَ الرَّقصَ المُخاتِلَ والغِناءْ!
...
هذا اسمُها
الياسمينُ ظلالُهُ
وصَداهُ
ضِحكُ بُحيرتينِ
رَفيفُ أَجنحةٍ
وَلَثغُ حَديقةٍ تحتَ المطرْ.