|
|
فلسفة الموت في أمسية قصصية في نادي القصة
احتضن نادي القصة في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، في مقره في الشارقة، مساء أمس الأول، أمسية قصصية للكاتب السوري عبدالرزاق شحرور، حضرها جمهور لافت من الكتّاب والنقاد والإعلاميين ومتابعي الأنشطة والفعاليات الأدبية .
قدم للأمسية الناقد عبدالفتاح صبري، حيث سلط الضوء على جوانب من تجربة شحرور، ليفسح المجال للكاتب، كي يقرأ بعد ذلك قصة “الميت” من مجموعته الصادرة حديثاً عن دار الحوار في سوريا، وهي “تداعيات على جدار الذاكرة”، حيث يدخل بطل القصة المقبرة في إحدى المرات، لتروح عيناه تجوبان شواهدها بحثاً عن عبارة مميزة، تفصح عن حال الميت إزاء الموت “ذلك السر الرهيب، والحقيقة المطلقة” .
مما جاء في النص: لطالما أجد فيها شيئاً من فلسفة الموت، بما تعبر عنه من توسل ودعاء، وعبرة ورجاء، وما تحمله من راحة وعزاء لروح الميت ولأرواح ذويه” ويتابع البطل قائلاً: ولشدة ما كان هاجس الموت يقلقني، ويقض مضجعي، إلى الحد الذي جعلني أطلق مقولتي الشهيرة: “من لا يهزه ذكر الموت، ويثير في نفسه الرهبة، ويحمله على التفكر والاعتبار، فهو إنسان ميت، ولو كان حياً بين الناس”، ثم يسرد بطل القصة ما يأتي في شواهد القبور من آيات قرآنية كريمة، وأشعار وأقوال ومنها: “قدمت على الكريم بغير زاد/سوى الإيمان والقلب السليم” أو “إلهي لا تعذبني فإني/مقر بالذي قد كان مني/ ومالي حيلة إلا رجائي/ بعفوك إن عفوت وحسن ظني” أو “يا زائري لا تنسني /من دعوة لي صالحة/ ابسط يديك إلى السما/واقرأ لروحي الفاتحة” أو “صاح . . هذه الدنيا تشابه جيفة/ ونحن حواليها الكلاب النوابح/ فمن عاد منها آكلاً فهو خاسر/ ومن عاد منها ساغباً فهو رابح” و”يارب إن عظمت ذنوبي كثرة /فلقد علمت بأن عفوك أعظم/ إن كان لا يرجوك إلا محسن/ فبمن يلوذ ويستجير المجرم/ أدعوك رب كما أمرت تضرّعاً/ وجميل عفوك ثم أني المسلم” ويقول بطل القصة، بعد قراءته لكل ما ورد من أشعار وأقوال على هذه الشواهد وغيرها: فوجئت وأنا على تلك الحال بصوت يهتف باسمي عن بعد، التفت نحوه، كان صاحب الصوت يلوح لي بيده، لا شك أنه يعرفني، يا إلهي إنه أبوعلي صديقي الحميم القديم، زميل الدراسة، زعيم قرية “العيس” جاءني مرحباً مستبشراً يسألني أن أحل بضيافته، فوجئت برؤيته، وليقول له: لم أكن أعرف أنك هنا، مازلت كما عهدتك كريماً مضيافاً، تدفقت ضحكته الساحرة، كخرير جدول عذب، وانطلق يردد ما خط على قبره: أصبحت ضيف الله في دار الرضى/ وعلى الملوك رعاية الضيفان
إن الملوك الغر تكرم ضيفها/ كيف النزول بساحة الرحمن
وإذا كانت أجواء النص موغلة في كابوسيتها، ويكاد يكون ممحو الخصوصية، من ناحية التجنيس الفني، فإن خاتمة هذا النص تحقق أكثر من مستوى فني، فهي من جهة تسجل له جنسه القصصي، ونزوعه الحداثوي، على خلاف ما يوحي به غرقه في عالم ضرب محدد النظم المتماهي مع الحكمة، والسيرة، ناهيك عن أن الخاتمة تسجل استفزازاً للمتلقي، حيث ينتهي النص على الشكل التالي: كنت مأخوذاً بروعة تلك الفلسفة، بالقدر الذي شغلني عن نفسي وعن صحبي، فقد بلغوا بي نهاية المطاف -دون أن أدري- وهذا ما حز في نفسي، وأسفت لأجله، فقد أنزلت في مثواي، ووريت الثرى، وقد فاتني أن أقرأ ما كتبته زوجتي على قبري .