|
|
دلالات تاريخية في مسرحية "طورغوت"
هشام دامرجي
* دار الخليج
طقس جميل غمرنا به صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بإصداره عن منشورات القاسمي مسرحيته “طورغوت” وتتنزل هذه المسرحية منزلة خاصة إذ تحمل أكثر من دلالة عميقة، فهي تأريخ، وهدية، ورمز وإبداع .
ورغم أنها مسرحية تتوجه للعربي وللإنسان عموماً، إلا أنها تمسنا نحن التونسيين في العمق وتجعلنا نقرأها بشغف ومحبة .
إنها واحدة من هدايا سموه إلى تونس الخضراء، ويكفي هنا أن نذكر حضور سموه ودعمه الكبير لمركز التميمي للدراسات التاريخية .
وكانت لصاحب السمو حاكم الشارقة زيارة تاريخية للمركز سنة 1993 بمدينة زغوان قبل أن ينتقل المركز إلى العاصمة تونس، وهي زيارة يعتز بها المثقفون التونسيون لما كان لها من أثر مهم في مسيرة المركز .
المسرحية التي تحمل اسم البطل “طورغوت” مفعمة بروائح المتوسط، متنقلة بين جزره “مالطا، كورسيكا، جربة” وتسوق لنا ذكرى شخصية ارتبط اسمها بالذاكرة الشعبية التونسية الوفية لأبطالها، وها هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ينفض عنها الغبار لتكون حاضرة في أيام قرطاج المسرحية والتي ستكرم سموه كاتباً مسرحياً مبدعاً، وقد انكب صاحب السمو حاكم الشارقة على كتابتها في وقت قياسي لتكون جاهزة للتوزيع في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة، وجاهزة للعرض المسرحي في قرطاج في الشهر الجاري، ونقدر الجهد الكبير الذي بذله صاحب السمو حاكم الشارقة لتخرج المسرحية كاملة متكاملة في فصولها الأربعة معتمداً سموه على العشرات من المراجع التاريخية التونسية والتركية والفرنسية والانجليزية .
ففي شهر سبتمبر - ايلول الماضي، بلغت سموه دعوة تكريمه في مهرجان قرطاج المسرحي، وكان سموه يكرم من طرف منظمة اليونسكو فقال سموه: “كيف، أذهب إلى قرطاج ويدي خالية . .؟” .
وكان صاحب السمو حاكم الشارقة قد قرأ منذ سنوات خلت بعض المعلومات حول معركة جربة خلف لوحة زيتية بعنوان “برج الرؤوس” استمد منها موضوع مسرحية سموه بالرجوع إلى عدد كبير من المراجع التاريخية المختلفة المصادر لتكون هدية قرطاج في أيام قرطاج المسرحية . تبدأ المسرحية في فصلها الأول بأسر القائد البحري “طورغوت” غدراً على سواحل جزيرة كورسيكا، وفي فصلها الثاني يصور سموه قدوم القائد خير الدين بربروس لتخليص “طورغوت” من الأسر وفديته لدى أعيان مدينة جنوه التي نقل إليها سجيناً أسيراً . في الفصل الثالث نقف على الأحداث التي خلدتها لوحة “برج الرؤوس” فقد كرس البطل “طورغوت” حياته لتطهير البحار والموانئ التابعة للحكم الإسلامي في البحر الأبيض المتوسط وقد أفضت المعارك مع العدو إلى دحر أسطول “طورغوت” إلى المياه الضحلة على شواطئ جزيرة جربة التونسية، غير أنه وبمساعدة سكان الجزيرة استطاع الرجوع إلى الأعماق، وذلك بدفع وجر السفن على جذوع الأشجار التي اقتطعها وأعدها السكان مساهمة منهم في فك الحصار عن جزيرتهم، فكانت واحدة من أكبر المعارك في المتوسط حيث استطاع “طورغوت” الاستيلاء على ست وخمسين سفينة من أسطول العدو والقضاء على ثمانية عشر ألفاً من جنود ما كان يسمى وقتها بالحلف المسيحي المقدس .
تنتهي مسرحية صاحب السمو حاكم الشارقة في فصلها الرابع باستشهاد البطل “طورغوت” في معركة حصار مالطا في مشهد مهيب صوره سموه بتعاطف المفتخر والمعتز بتاريخنا وبطولاتنا مدققاً في لحظات حياة “طورغوت” الأخيرة وأحزان مرافقيه من الجنود الأبطال .
المسرحية، لوحة رائعة بعيدة عن السرد التاريخي وحزمة من المشاعر المتدفقة بالفخر والاعتزاز والانتماء إلى تاريخ وحضارة الإسلام .
وحتى لو غفلنا عن سياق المناسبة والهدية فإن المسرحية تحيل على العديد من الدلالات العميقة، أولى هذه الدلالات النضال الذي خاضه طورغوت لسنوات حتى يقضي على قراصنة البحر الذين جثموا على صدر المتوسط وتونس بالذات أكثر من أربعة عقود كاملة، وهذه الدلالة إسقاط على النضال الذي خاضه الشعب التونسي توقاً إلى الانعتاق والحرية .
ولأسر طورغوت دلالة واضحة على أسر الصوت الحر المنطلق في آفاق البحار، فجاء من يحرره ويدفعه إلى النضال من جديد .
وفي دلالة أعمق يبرز سموه الدور الكبير الذي لعبه أهالي جزيرة جربة “الشعب” في فك الحصار عن أسطول طورغوت والمساهمة الكبيرة بقلع الأشجار، وشد جذوعها لتكون منزلقاً للسفن كي تعود إلى إبحارها . ويبقى مشهد استشهاد طورغوت الرمز والدلالة الكبرى والتحية لشهداء تونس على مر التاريخ ممن ضحوا بدمائهم من أجل وطن تملؤه نسائم الحرية ورائحة الياسمين .