النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مادبا.. مجاز الفسيفساء وسؤال الثقافة - جلال برجس

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    مادبا.. مجاز الفسيفساء وسؤال الثقافة - جلال برجس

     

    مادبا.. مجاز الفسيفساء وسؤال الثقافة

    جلال برجس

    * الدستــور الأردنيــة






    على ربوة من تاريخ منغرس في تراب التاريخ، وتاريخ التراب؛ تقع مدينة مادبا، إلى الجنوب من قلب المدينة عمان، وحولها تتناثر القرى؛ قرى عابقة بدفاتر حكاياتها، ومضاءة بوهج الماضي والحاضر والأيام القادمة على أهبة البياض. عندما تدخلها يرحب بكَ (دوّار) اسمه دوّار المحبة، ومحبة تلك المدينة لزائريها وافرة كأمطارها التي إن هطلت تهطل غزيرة كغزارة الأمنيات في جنباتها. وأنت تترك وراءك ذلك الدوار بنصبه الذي شجّ صدر الهواء وهو يردد اسمه (أنا نصب تعاقب الحضارات) تفاجئكَ رائحة القهوة التي تفوح من شرفات البيوت. إنها قهوة الهلا والهيل. إذن أنت في مادبا. فتوغل أكثر أكثر، في طرقاتها وشوارعها التي تضج بوجوه أناسها الطيبين، أولئك الذين حملوا على صدورهم نياشين الإنسانية، الإنسانية وحدها. أولئك الذين مازالت جباههم تحتفظ بأثر لتراب الحصاد، لحداء البيادر، لأهازيج الشتاء، لغناء الأعراس، لشعر الحماسة، لشموس النخوة، لنجوم الأحلام.

    وأنت تتجول في طرقاتها، سترى وجوها عديدة من بلاد ما وراء البحار، يقلبون دفاتر المدينة وكتبها ويعلنون دهشتهم ابتسامات تتقافز بين جدرانها.

    مزاجها فسيفسائي، يأخذ من القديم أصالة تجاور الأحجار ببعضها البعض، ويأخذ من الجديد رحابة الرؤية والرؤيا. طرقاتها قديمة، أصيلة. شوارعها جديدة، تنساب أمام قديمك تدلك على مساحاتها وتؤشر لك إلى مسافاتها.

    فسيفسائية هذه المدينة، ففي خارطتها التي انبسطت على أرض الكنيسة ثمة عالم ينبض بالحياة، على جبلها (نيبو) ثمة ريح (عذية)، في ذيبانها. ثمة وصايا مؤابية لميشع. في أم الرصاص ثمة حجارة صارت حكاية. وفي ماعين ثمة روائي، جاب العالم انطلاقاً من تلك الربوة التي أطلت على الريح، ريح التأمل. منها كان للمسرح شعلته الأولى، للرواية هنهنات الحكايات، للشعر طقوس الحنين، وللفكرة مجازاتها. هيئاتها الثقافية كثيرة. والأحلام أمامها أكثر. ثمة شعلة في مادبا سوف تُضاء، إنها شعلة (مادبا مدينة الثقافة الأردنية 2012) شعلة سوف تجعل من رحلوا يطلقون ابتسامتهم لكي تتعربش الهواء، غالب هلسا، روكس بن زائد العزيزي، سالم النحاس. وآخرون لهم في الفكرة يد طولى.

    هنا نجيء في ملفنا هذا نتتبع الخُطى، ونمد أيادينا للأيادي. ففي طيات هذا الملف، إبداع لمادبيين، وأراء لأناس يحلمون بالفكرة، وبوح عن التاريخ، وحديث عن غالب هلسا.

    ثمة أسئلة في مادبا، ولمادبا؛ أهمها سؤال الثقافة:

    * كيف يمكن استثمار عناصر «مادبا» التاريخية والثقافية والفكرية والسياحية لخلق حراك ثقافي جديد



    لكل مدينة عناصرَ، اتكاء عليها؛ يمكن النهوض بالفعل الثقافي. لكل مدينة أغنياتها، قصائدها، مسرحها، لوحاتها، حكايتها، تاريخها، أمكنتها، فكرها، ثقافتها. ولمادبا عناصرَ يُعَوَّل عليها لخلق ذلك الحراك ثقافي المتجدد الذي يستلهم الحاضر، وينظر للماضي مرّة ومرات للمستقبل. تلك العناصر الثقافية والفكرية والمكانية، والتاريخية، والإنسانية، يمكن التعاطي معها لإيجاد ما يصبو له المثقف والمتلقي على حد سواء، عبر مفهوم متطور للثقافة. ذلك المفهوم الذي يتسع ليصير فضاء إنسانيا يشتبك مع الآخر عبر أسس الحوار المناسبة، وفي نفس الوقت يشتغل على أصالته التي عنوانها الهوية. سؤالنا: كيف يمكن استثمار تلك العناصر لخلق حراك ثقافي متجدد يضاف للمنجزات السابقة، والإجابة أتت عبر من طرقنا أبواب عقولهم لنحظى بصدى لسؤالنا؛ كيف يمكن استثمار عناصر مدينة مادبا التاريخية والمكانية والإنسانية لخلق حراك ثقافي جديد يضاف للمنجزات السابقة؟



    * فايز القيسي: مادبا همزة الوصل



    الأستاذ الدكتور فايز القيسي نائب رئيس جامعة الطفيلة التقنية سابقاُ، وأستاذ الأدب العربي في جامعة مؤتة حالياً، يرى أن مادبا تشكل همزة الوصل بين المدن الأردنية، وهي حاضرة في تاريخ أرض الأردن كله، وذات سمعة حضارية وطنية وعالمية مميزة؛ ويرى ايضاً إن اللجنة العليا للمدينة تتحمل عبء مسؤولية كبيرة في أن تتبنى خطة قادرة على تطوير العمل الثقافي المؤسسي الذي نشأ وترعرع في رحاب المدينة، على مدار أعوام ممتدة، ورفده بعدد من الأفكار والرؤى الثقافية التي تكفل لها الاستمرار بالقيام بدورها الثقافي، من خلال تعاون مديرية الثقافة مع المؤسسات الثقافية والأندية الشبابية، والملتقيات الثقافية في المنطقة وغيرها، أن تتبنى إستراتيجية تقود إلى تحويل تصوراتها إلى وقائع وإنجازات ثقافية ملموسة لدى أبناء المدينة، من خلال عدد من النشاطات، منها: عقد لقاءات وندوات ثقافية: أدبية ودينية وتربوية واقتصادية وتوعوية وغيرها، مرّة كل أسبوع، على مدار العام، تستضيف فيه المدينة عدداً كبيراً من أولي الرأي وأصحاب الخبرة، وذوي المعرفة في مختلف حقول المعرفة الإنسانية، حتى تغدو المدينة منبراً ثقافياً من منابر الوطن الذي يتبادل فيه الباحثون والطلبة والعلماء الرأي في مختلف شؤون الوطن في إطار من الحرية المسؤولة، واحترام الرأي والرأي الآخر.

    ويشير القيسي إلى ضرورة إصدار مجلة ثقافية تعنى بنشر الإنتاج الثقافي والأدبي والفني لأبناء المدينة، إلى جانب إصدار عدد من المؤلفات الثقافية والفكرية التي وضعها أبناء مدينة مادبا، في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية.

    كما وبين القيسي أن هنالك ضرورة قصوى لعقد مؤتمر علمي، بعنوان «مادبا الحضارة والإنسان»، يسهم في الإفادة من العناصر المضيئة في تاريخ المدينة وحاضرها؛ لتنير لنا بعض الجوانب من تاريخ المدينة ودورها الحضاري، التي ما تزال بحاجة ماسة إلى الدراسة والبحث والتحليل، في مختلف مجالات الحياة، وبناء طاقات أبنائها الخلاقة، وبعث الثقة في نفوسهم بقدرتهم ثقافياً وفكرياً وفنياً على العطاء الحضاري والإسهام في مسيرة الوطن الحضارية، نحو الرقي والتقدم بعزم واقتدار.

    وفي ذات السياق يرى القيسي أن مادبا ستنجح في القيام بدورها الثقافي، وسيكون بإذن الله من أهم المناحي المائزة لتجربتها الحضارية استخدام الثقافة وسيلة لتعظيم الجوامع المشتركة، واحترام الفوارق بين أبناء المدينة، إلى جانب استخدامها وسيلة للتغيير الإيجابي في سلوكيات المجتمع، من خلال إحداث الوعي بالقضايا والمشكلات التي تهدد الأمن الاجتماعي- الثقافي وسبل معالجتها؛ ذلك أن العمل الثقافي الجاد يقود إلى تغييرات وتحولات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وله انعكاسات إيجابية على أبناء المجتمع.

    ورأى في معرض إجابته على سؤالنا إنه من الضروري الالتفات إلى أن تتضمن الخطة التي يجب تبنيها عناصر ورؤى قادرة على إبقاء المدينة، طوال سنوات ممتدة، منارةً ثقافية، في عدد من المجالات الثقافية؛ وأن يبقى هذا الدور مفتوحاً على المستقبل.



    * كيف يمكن استثمار عناصر (مادبا) التاريخية والثقافية والفكرية والسياحية لخلق حراك ثقافي جديد



    * نزار قبيلات: الفن والتاريخ والتسامح الديني



    يقول الدكتور نزار قبيلات الأستاذ المساعد للأدب والنقد الحديثين في الجامعة الأردنية: لا يخفى على أحد رصيد مادبا الكبير من الثقافة والأصالة؛ والممتد عراقةً من تلابيب تاريخها الديني والتجاري، وصولا إلى سمعتها الطيبة اليوم؛ حيث غدت أمثولة حية رطبة على صعيد التسامح الديني والتقابل الأخوي، فقد اكتسبت مادبا طبائع فسيفسائية عديدة تمثلت بتقلب الحضارات الرومانية والمؤابية عليها، وبتناوب نزول القبائل العربية عندها وحولها، ما أكسبها تلونا وتبيانا ساعدها على الوقوف بصلادة في بطون كتب التاريخ وفي عقول المارين بها، ويشير قبيلات أن مادبا بالنسبة للأردن كالوشاح الذي يلف وسط «الجميلة» ...يحدها وادي كبير من الجنوب ومن شمالها سهول حمراء تريح البصر وتنغمه. منسدلة على مدى فسحة فضاءات متنوعة تنبثق عن جمال مكانها بعين الناظر لها من جهة الشمال.

    ويضيف قبيلات أنه حين تحضر مادبا في خاطر مريديها يحضر معها روادها وكتابها.... يحضر صاحب معلمتها ورفعتها روكس بن زائد العزيزي، ويحضر عاشقها والذي عنون إحدى قصصه بـ»أنت يا مأدبا» ....سالم النحاس. ويحضر كذلك أبناؤها ورجالاتها من أصحاب الأثر. كـ احمد قطيش الأزايدة وسعود قبيلات وأكاديميين ومعلمين يحفظ لهم أبناء مادبا الجميل.

    ويبين قبيلات إن التجانس الحاصل في تكوين مادبا الإنثروبيولوجي والمنبجس من تنويعات تاريخية مختلفة المشارب والتوجهات والأديان ليساعد على بناء قاعدة ثقافية غنية تتطلب أول الأمر تظافر الجهود وتكاتفها،... فالواقع اليوم أن أعدادا من أصحاب الذوق الأدبي الناجم عن ذلك التجانس المادباوي مغيبون عن مشهد الحضور الثقافي لصالح إبراز مادبا مدينة سياحية وحسب. فقد تناسى البعض أن المحافظة على إرث مادبا تحتاج إلى تدوين أدبي وتاريخي يؤصل هذه السمة ويضعها في إطارها اللائق، فاللهاث حول تسويق مادبا وبيع صورها وكتيبات عن تاريخها لا يجر سوى نفع مرحلي آني؛ سيفقد مادبا لاحقا بهاء صورتها التاريخية وميزتها، فلا بد من تمكين أبناء مادبا من أن يلتقوا مع بعضهم متحاورين فاعلين بكل ما يخص تاريخانية مدينتهم، وليؤسسوا بذلك هوية مدينتهم محافظين على انفرادها الروحاني وتألقها التاريخي. فقاعدة الحراك الثقافي حاضرة ناضجة تحتاج فقط لمن يعلق الجرس مجددا ويعيد ترتيب جدارية مادبا الفن والتاريخ والتسامح الديني ... مادبا السياسة والأصالة.... مادبا عاصمة ثقافية كما كانت عاصمة للمؤابين قبلا.



    * ماجد شاهين: طغيان العاطفيّ على ما عداه



    ويرى الكاتب ماجد شاهين أنه من المفيد، ولو من قبيل الاسترجاع والتذكير، التأكيد على صلة ٍ ما، ثقافيّة وإبداعيّة إلى حدّ ما، تربط حاضر المدينة بماض ٍ اتصل بأفراد وجماعات أنجزوا، وإن ْ بشكل ٍ محدود او متقطع، حالة ً أو حراكاً أو أثرا ً إبداعيّا ً وثقافيّا ً عبر مادبا في عصرها الحديث، والعناوين بمكن العثور عليها بسهولة.

    ويرى شاهين أنه عند المحاولة لنبش وتحفيز الذهن بسؤال المُتاح والممكن إنجازه، في المدينة، بوصفها حاضنة تاريخيّة لثقافات تنوّعت واختلفت، تجدر الإشارة إلى ثقافات ومشاهد من نتاجاتها طغت على الصورة وإطارها في مادبا، ومنها ثقافة المكان وصوره وثقافة الخطاب الأدبي وثقافة المسرح التاريخيّ وثقافة حضارات عبرت ومنها ما استقرّ وترك عنوانه وتوقيعه، وثقافة التلاقح الإنسانيّ والجدل التاريخيّ في مدينة ٍ طغى فيها العاطفيّ على ما عداه، فكان منجزها خطابيّا ً متقطعاً أو وجدانيّا ً تأسره الرؤى الفردية أو أدباً ثوريّا ً فرضته حقب تاريخيّة وأزمات وحاجات إنسانيّة.

    ويقول شاهين رجوعاً إلى سؤال الجدل والحوار، إنّ إعادة البناء أو إعادة الإنتاج، تعني فعلاً تغييريّا ً، يقتضي وجود أدوات فاعلة مؤثرة للاستمرار وتحقيق الفكرة، وتتطلّب وجود أشخاص مؤهلين قادرين على تحويل المشهد الملتبس إلى مشهد إبداعيّ، ونظنّ أولئك حاضرين بوفرة ذهنية متقدة وبقيمة جمالية لا تقل ّ إبداعا ً عن مكوّنات المشهد الإبداعيّ العام .. والأمر الأكثر حضورا ً في معادلات التأثير والجدوى يتمثل في فرادة الممكنات التاريخية والطبيعيّة التى تشكلت منها المدينة عبر أزمانها، ما يعني وفرة المناخات الرائعة للقول والروي والقص ّ ومسرحة الكلمات والمواقف.

    كما ويبين أن الحاجة واضحة إلى دور ٍ إضافيّ ومنتج إضافيّ يُراكم نوعياً فوق وإلى جنب ما كان وما هو كائن، ولكي تتحقق الحاجة، وهذا محور الجدل والحوار والسؤال، ينبغي استثمار فضاءات الإبداع المكانية والإبقاء على بوابات الحرية مشرعة على اتّساعها، وهنا يجب التنبه إلى ضرورة عدم الخلط بين الثقافة وإدارة الثقافة وبين الإبداع وإدارة الإبداع .. مثلما يقتضي الأمر كذلك أن ّ يُعاد إنتاج ما أغفلته الذاكرة المكتوبة عن المدينة.



    * يوسف غيشان: هناك بؤر ثقافية لكن الأحزاب تعادي الثقافة



    الكاتب الساخر يوسف غيشان يرى، إن الحراك الثقافي الأردني بشكل عام –عدا العاصمة- أقل من القليل. مبيناً أنه ليس لأن الثقافة ذات طبيعة نخبوية فقط، بل لأن السلطات، ومنذ عقود، تنظر إلى الثقافة بعين الريبة والشك، وتسعى دوما الى أن يكون الحراك الثقافي بين يديها –عمان- وتحت (بنديرتها).

    وبإسلوبه الساخر يقول غيشان: ليس موضوعنا.......على أية حال، كيف يمكن......؟؟؟؟

    لست متفائلا ولست متشائما تماما في موضوع استثمار كون مادبا عاصمة للثقافة لهذا العام من اجل بناء مشاريع ثقافية مستدامة في المحافظة قادرة على خلق حالة حراك ثقافي وقادرة أيضا على تمويل ذاتها عن طريق تسويق المنتج الثقافي المحلي. من كتب لأبناء مادبا أو لوحات فسيفسائية أو بسط تراثية أو مجسمات، وما شابه ذلك من الموجودات الثقافية المتوفرة في المحافظة.

    ويقول غيشان أن هنالك بؤر ثقافية ما تزال تعمل في المدينة مثل مديرية الثقافة والمنتدى الإشتراكي ومجمع النقابات المهنية (تحديدا نقابة المهندسين) يمكن استثمار هذه البؤر والالتفاف حولها وتفعيلها اكثر عن طريق دعمها.

    ويضيف غيشان أن الأحزاب لها مقار لكنها نادرا ما تقوم بنشاطات ثقافية، معللاً ذلك بأن قياداتها الحالية –على مستوى المملكة- تعادي الثقافة وتخشاها حتى لا تنتقل جرثومة الوعي للقيادات المحلية وتتمرد على القيادات التقليدية العاملة. ويشير أنه يمكن التعامل فرديا مع الحزبيين الشباب من اجل فرض حالة وعي ثقافي على الأحزاب ومقارها.
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 14 - 1 - 2012 الساعة 09:14 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •