النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: محمد لافي يرسم بالكلمات فلسطين أخرى قائمة في الروح

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    محمد لافي يرسم بالكلمات فلسطين أخرى قائمة في الروح

     

    محمد لافي يرسم بالكلمات فلسطين أخرى قائمة في الروح

    الرّصيفيّ الأخير







    تُعتَبر تجربة الشاعر محمد لافي واحدةً من التّجارب الريادية المهمّة، على صعيد الكتابة الشعرية العربية في الأردن، إذ استطاعت هذه التجربة اللافتة إلى جانب تجارب الشعراء (الشهيد علي فودة وعلي البتيري ومحمد ضمرة وسمير الشّوملي وغيرهم) أن تحتلّ واجهة المشهد الشعري في الأردن منذ بداية سبعينيّات القرن الماضي. كلام كثير كان يدور حول لافي الشاعر الملتزم وحول الأثر المدوّي الذي تتركه قصيدته في أوساط الجماهير.

    كان جمهور المثقفين يتناقل باستمرار ما يتعرّض له لافي من اعتقال ومطاردة بسبب قصائده الناريّة، وأذكر في تلك السنوات البعيدة قصيدته الأهم التي نشرها عام 1973 وهي (الانحدار من كهف الرّقيم)، فقد أحدثت هذه القصيدة دويّاً هائلاً لدى القرّاء، الذين كانوا يتناقلونها ويردّدون مقاطعها:

    “أجيئكِ هذا صدى الصّوت يقرعُ كلّ الجهاتْ

    عيونُ القبائل تلفحني بالسّياطِ،

    المسافاتُ تنأى ... الغبارُ يُجلّلُ وجهيَ

    والمخبرون جرادٌ يسدّ جميع نقاط العبورِ،

    الجنود يصيحونَ ... تلهثُ خلفي الخيولْ

    عناوينُ كلّ جرائد هذا الصّباحِ تقولْ:

    يجوب المدائن الآن مخلوقٌ غريب،

    انحدر من أحد الكهوف صباح أمس،

    على كلّ من رآهُ أن يُبْلِغَ أقرب مخفر للشرطة،

    ولهُ مكافأة ممتازة”.


    في تلك السنوات كنت أتابع أخبار محمد لافي، وأقرأ ما ينشره، من خلال الصفحات الثقافية في الصحف الأردنية، خاصّةً جريدة عمّان المساء وأخبار الأسبوع والصّباح. بعد ذلك بسنوات وقعت معي الحادثة التالية، والتي كانت سبباً مباشراً في التقائي بالشاعر محمد لافي والتّعرّف إليه عن كثب: في الشّهور الأخيرة من عام 1976 وكنت قد تخرّجت حديثاً من معهد المعلّمين التابع لوكالة الغوث، ابتدأتُ بحملة من النشر المكثّف في الصّحف والمجلات العربية والأردنية. ذهبت أوّل ما ذهبت إلى المكتب التجاري التابع لجريدة الدستور، والواقع على درج الكلحة وسط مدينة عمّان، وهناك أعطيت العاملين فيه رسالة موجّهة إلى الأستاذ المرحوم خليل السواحري الذي كان مسؤولاً في تلك الفترة عن الملحق الثقافي للجريدة. كانت الرسالة تحمل معها قصيدة لي من أجل نشرها في الملحق. في يوم الجمعة التالي فوجئت بقصيدتي منشورة على ثمانية أعمدة، وتحتل نصف صفحة في الجريدة. وقد عرفت فيما بعد أنّ خليل السّواحري اتّصل بالشاعر محمد لافي، وقال له: “لقد وصلتني قصيدتك التي بعثت بها إليّ باسمك المستعار وهو (يوسف عبد العزيز)، وسوف أنشرها في الملحق الثقافي القادم”. أمّا الشاعر محمد لافي فقد قال له في تلك المكالمة: “إنني لم أبعث لك شيئاً”. من جهتي واصلت إرسال القصائد إلى خليل السّواحري، الذي كان ينشرها، وفي كل مرّة كان يتّصل بالشاعر محمد لافي ويقول له لقد قمت بنشر قصيدتك الجديدة، ولافي ينفي علاقته بالأمر.

    استمرّت الأمور على هذه الحال إلى أن أقامت لي رابطة الكتّاب الأردنيين أمسية شعرية في أواخر عام 1976، وما أن انتهت الأمسية حتى فوجئت بخليل السواحري يتقدّم منّي ويعانقني، ويقول: “الآن حللتُ اللغز”. سألته عمّا يعنيه بهذه العبارة فأخبرني بالحكاية من بدايتها. بعد ذلك التقيت بالشاعر محمد لافي الذي أكّد القصّة التي رواها لي خليل السواحري، وبعدها أصبحنا صديقين.

    تتمحور قصيدة لافي حول القضيّة الفلسطينية، والنّضال الوطني الفلسطيني، وهي منذ البداية كانت تمثّل الوجه الآخر للبندقية المحاربة، ففي حين سعت تلك البندقية إلى خوض غمار الحرب مع المحتلّين الصهاينة، وتحرير الأرض المغتصبة، كانت قصيدة لافي تسعى إلى تحرير الإنسان والإرادة الإنسانية، وتعمد من خلال الكلمات إلى رسم فلسطين أخرى قائمة في الروح. وهكذا فقد حملت المجموعتان الشّعريّتان الأولى والثانية للشاعر وهما: (مواويل على دروب الغربة، والانحدار من كهف الرقيم) هاجس الغناء لفلسطين والتّبشير بها.

    الخروج

    رصدت تجربة لافي حركة التّحرّر الفلسطينية في جميع محطّاتها، وعلى رأس تلك المحطّات المنعطف الأهمّ في مسيرة النضال الفلسطيني، وأعني به حصار بيروت وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في العام 1982. لقد كان لهذا الخروج أو الرحيل المروّع للفدائيين أثر مدمّر على مشروع لافي الشعري فيما بعد، الذي لم يكتفِ برصد ذلك الأثر بكتابة قصيدته الطويلة (الخروج) التي جاءت في ديوان، بل امتدّ رصده ليطال الانهيارات التالية التي تتابعت على صعيد النضال الفلسطيني، والتي تُوّجت باتفاقيّة (أوسلو) المشؤومة مع العدوّ الصهيوني عام 1994. في هذه الأجواء الفضائحية بامتياز حيث تمّ لأوّل مرّة إسقاط خيار المقاومة من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بدولة الكيان الصهيوني، انبرى لافي يدبّ الصّوت. لم يترك لافي شيئاً في الثورة المغدورة إلا وهزّه ليتبيّن زيفه من حقيقيّته. بدموع غزيرة وقلب متفجّع راح يرثي مرحلة كاملة تقوّضت من النضال. لقد أظلمت الدنيا أمام ناظريه، ولم يعد هناك غير السّقوط الذي يتكرّر، وغير الزمن المتداعي الذي أسماه زمن الكلاب:

    “سأبكي انطفاء الحرابْ

    وأبكي دم الأنبياء الذي راح هدراً،

    وضيّعني خلف هذا السّرابْ

    وأبكي فتى كنتُهُ ذات يومٍ،

    وطوّحني لمشارف شيخوختي....

    وزمان الكلاب”!


    في دواوينه التالية (نقوش الولد الضّال، مقفّى بالرّماة، أفتح باباً للغزالة، لم يعد درج العمر أخضر)، يسيطر هاجس اللايقين على الشاعر، فيصعّد هجاءه ليطال به التّجّار والمسوخ الذين غدروا بالثورة وباعوها بثمن بخس. مثل هذه الحالة السوداوية التي تلبّسته سوف تقض مضجعه، وسوف تقوده إلى الوِحدة، خاصّةً وأنّ حالة عامّة من الطمأنينة الزائفة تسيطر على حياة الناس، تلك الحياة التي هي قطيعية بامتياز!

    في ظلّ هذا التّردّي العام والوحشة التي تخنق قلب الشاعر، لا يجد لافي أمامه من خيار للصمود والتماسك غير أن ينعطف بكلّيّته، إلى تلك الذكريات البعيدة في الوطن، والتي تلوح أمام ناظريه كطوق نجاة، ففي هذه الذكريات وعلى الرغم من قسوتها أحياناً يكمن البيت الأوّل والحبيبة الأولى، وتكمن فلسطين المهيبة إيّاها بظلالها وروائحها. في هذه الأثناء تندلع الذاكرة بمزيد من الوجوه الساحرة والأمكنة الحميمية، وتدبّ الحياة في جسد الشاعر لتعيد إليه شيئاً من المسرّة المفقودة:

    “مخاض 1961

    في البيت الطينيّ

    وفي تلك الغرفةِ أمّ الشّبّاك الأزرقِ

    قبل ثلاثين حصاداً

    كنت أرقّصُ مفتاح (المحدثِ) في آخرة الليل..

    وأشتعلُ

    (حركات المحدث تنتقلُ)

    فَعِلن فعْلن فعْلن فَعِلُ

    وأبي يرصدني من خلف البابِ

    ويصفق كفّاً في كفٍّ:

    (قد جُنّ ابنكِ يا زينبُ... يا ساتر)

    هو لا يدري أنّ العائلةَ الليلة

    تشهد فيها ميلاد الشاعر”.

    مقامتان لـ «العوجا»


    يتوّج الشاعر محمد لافي تجربته الشعرية بديوانه الأخير (ويقول الرصيف) الصادر عام 2010. في هذا الديوان يستمر الشاعر في تصدّيه للمؤامرة، وفي تعرية الواقع الزائف وهجائه لرموزه وسدنته. كذلك يتابع الشاعر تأمّله للذكريات الساحرة، وهي تترقرق من تلك الكوّة النورانية في جدار الماضي. في هذه الذكريات تبرز إلى السطح مشاهد الطفولة، كما تبرز الأمكنة الأولى مجلّلة بكل ذلك السّحر والقداسة، ولعلّ قصيدته الأهم هنا (مقامتان للعوجا)، وهي تلك القرية القريبة من أريحا والتي عاش فيها الشاعر طفولته وجزءاً من شبابه، مبنية بشكل أساسي على ما تضخّه الذاكرة، الذاكرة التي استطاعت أن تنقل كل شيء في القرية وترفعه من جديد بعد أن مرّت عليه يد الحرب ودكّته ليصبح أثراً بعد عين. تأمّل الماضي وتأمّل ما حدث من خلال تلك العين الرائية التي تجوس في الزمن، وتنتخب ما يسند روح الإنسان، ربّما يكون المهمّة الأكثر نبلاً التي يشتغل عليها شعر محمد لافي. في قصيدة مركزية أخرى من ديوانه (ويقول الرصيف) وهي بعنوان (بيان)، وقد أهداها إلى ابنه فرات، يذهب لافي ليتفحّص تجربته النضالية الخاصّة، فيخلص إلى النتيجة التالية:

    “لا علاقة لي بارتجال الطريق إلى أوسلو

    ولا ببناء الجدار

    لا علاقة لي بمتاهة هذا الحوار

    لا علاقة لي بمذابح صفّين راكضةً

    بين دار ودار

    لا علاقة لي بالمصير البوار

    لا علاقة لي بالذي يرتئيه الكبار

    فأنا في ملاك المعسكر

    طول عمري عنصر”.


    مثل هذا التّأمّل الصادق والجارح في الوقت نفسه للذّات والحياة، ربّما هو ما يولّد الرؤية الثاقبة لعين الفنّان، وهو ما يمكن أن يزوّده بالطاقة اللازمة ليكتب ويحتج، ويواصل الصراخ بأعلى صوته في وجوه المحتلين الذين اغتصبوا وطنه، وفي وجوه أولئك السماسرة والتجّار الذين ركبوا موج الثورة. ولأنّ الثورة اعتراها ما اعتراها من الخراب فقد لجأ لافي هذه المرّة إلى الرصيف، باعتباره صانع الثورة الأوّل ونبعها المتدفّق:

    “ويقول الرصيف أنا ترجمان الهزائم

    أنّى اتّجهتم على كافة الجبهات

    واختصار المسافة بين الشرائح والطّبقات

    ويقول الرصيف ببحري تصبّ الخطى

    من جميع الجهات القصية

    وعليه أوقّع: إنّي أنا الأمّة العربية”.


    بالدّعوة إلى التّمترس وراء الرصيف، واتّخاذه كقاعدة للانطلاق والتغيير، يكون محمد لافي هو الرّصيفي الأخير الذي يعلن تمرّده على كل شيء: النظام العربي الرسمي والإنسان الخانع معاً. من جهة أخرى قد تكون دعوة لافي هذه بمثابة نبوءة بثورات الربيع العربية، التي اعتمدت على جماهير الرصيف لتحرّر أوطانها من الطّغاة، وهو من خلال هذه الدعوة يكون قد أكمل وطوّر ما بدأته جماعة شعراء الرصيف في بيروت في بداية الثمانينيّات، بزعامة الشاعرين الشهيد علي فودة ورسمي أبو علي.

  2. #2
    عضو برونزى الصورة الرمزية آلجريح .،
    تاريخ التسجيل
    16 - 10 - 2010
    الدولة
    فإمآإرهَ من آڷإمآإرآإت ،، //*
    العمر
    31
    المشاركات
    1,245
    معدل تقييم المستوى
    178

    رد: محمد لافي يرسم بالكلمات فلسطين أخرى قائمة في الروح

    (حركات المحدث تنتقلُ)

    فَعِلن فعْلن فعْلن فَعِلُ
    آلله يرحمْكْ يَ آلخليل ، خخخ >>

    أحلى أيآمْ عمري كآنت ويآ آلعروض -.-



    أتمزق وجرآحي تكاد تتناثر من حولي لكثرتهآ .. وحاجتي لمن يلملمُهَآ يوماً عَن يومٍ تزيد =(



  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: محمد لافي يرسم بالكلمات فلسطين أخرى قائمة في الروح

    أسعدني حضورك وتعقيبك،
    دمت بود،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •