وداعاً لشعر الألم
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
رجل في الخمسين من عمره، يجلس تحت ضفائر شجرة، ويتلفّت إلى الماضي ويكتب في دفتر صغير ما كان عليه ألا ينساه:
كلما أتقدم في العمر،
أعرفُ أن حياتي ورائي،
فأبكي عليها .
. . لكن الحياة ليست دائماً وراءنا، ثمة حياة تقع في المستقبل، في ذلك الزمن الآتي . الزمن الذي لا نعرفه ولا نعرف ملامحه، ولكن يمكن تخيّله، بل يمكن تكوينه أو “صناعته” بالأمل . . والحب أيضاً .
لا تتلفت إلى الخلف، كي لا تتحول إلى عمود من الملح .
لا تتلفت إلى الخلف، كي لا تتأخر خطوة واحدة تأخذك إلى الأمام، هكذا يتحدث إلى نفسه بلغة صامتة، ولكن في قلبه ضجيج، إنه ضجيج النهر الذي يحمله على الجريان من أسفل إلى أعلى، سيزيف كان يدحرج صخرته من أعلى إلى أسفل، لعبة اسطورية استهوت شعراء الألم، ولكن محمود درويش كان يقول: “وداعاً وداعاً لشعر الألم”، ذلك الألم الذي يقيم عادة في الماضي .
ترك ماضيه على الشرفة . .
الماضي . . رجل أشيب، يشرب قهوته وحيداً في الشرفة . الماضي دائماً رجل وحيد .
وهو لا شأن له بالوحدة، لا شأن له بالألم ولا بصخرة سيزيف، إنه يقترح وردة صفراء دائماً لنهاره المتوّج بالندى . . لقد ترك الأشياء الصغيرة والأشياء الكبيرة في صندوق من خشب السنديان ورمى مفتاحه في البحر . لا شأن له بالضفائر السوداء الطويلة الطويلة حتى الينابيع كما يقول أنسي الحاج . ترك مريول المدرسة ينام وحيداً في خزانة المسك . ترك العطر والرسائل والقصائد القصيرة المملوءة بالأخطاء . أخطاء كانت تبدو له آنذاك كأنها الحقيقة الوحيدة في هذا العالم .
لم يعد يتذكر .
لم يعد ينسى . .
رجل يمحو الماضي بقطعة من القطن . لا يريد أن يصبح عموداً من الملح، ولا يريد أن يتأخر خطوة واحدة .
كل المحطات التي مر بها قطاره ألقى على نوافذها السلام . وغطاها بضباب النسيان .
كل المنحدرات التي كان يهبطها بصحبة الياسمين “الأسمر” لوّح لها بمنديل الوداع . . “كيف يكون للوداع منديل واحد وله ملايين الدموع؟” .
كل الشعر الذي كتبه على البحر الطويل جمعه في جملة قصيرة، شربها مع حبة أسبرين . . واستراح .
كل المرايا التي كانت تترقرق بها صورة ذلك الغزال الأسمر طفت على وجوهها أعشاب وشعيرات أشبه بالشرايين .
كلما يتقدم في العمر، يعرف أن حياته أمامه، فيركض إليها، يعانق الشمس ويردد مع درويش: “وداعاً وداعاً لشعر الألم”