رحيل أم وانطفاء شمعة
كتب - وليد الشحي :
قبل أن أترككم مع هذه الحكاية التي نشرتها قبل أربع سنوات في جريدة البيان إبان عملي فيها آنذاك ، أود أن أكشف سرها حصرياً على الرمس نت ، فالحكاية حقيقية وهي قصة وفاة والدتي يرحمها الله عندما كنت طفلاً في عمر الخامسة والنصف ، وللتوضيح فإن الإبن الأكبر في الحكاية الحقيقية هو أنا ( وليد الشحي ) والإبن الأصغر هو شقيقي ( أحمد ) .. واخترت هنا موقع الرمس نت للكشف عن حقيقة هذه القصة لا سيما بعد تكرار تداولها ونقلها عبر المنتديات ووسائل أخرى منذ تلك الفترة وحتى وقت قريب دون الإشارة إلى مصدرها ، لذلك اخترتكم أعزائي كي أبوح لكم بقصة وفاة والدتي يرحمها الله .. وهنا أترككم مع القصة كي تتعرفوا على جانب من طفولتي الحزينة لا أراكم الله مكروهاً في عزيز قط ، فلنقرأ ونتابع معاً:
في ليلة رمضاء قبل اكتمال الثلث الأول من رمضان اشتد الوهن على الأم المسكينة التي داهمها المرض عقب ثلاثة أشهر من وضعها لمولودتها وآخر عنقودها بعد طفلين ذكرين أكبرهما خمس سنوات ونصف السنة والآخر أربع سنوات.. لقد تمكن الداء من جسدها فباتت تصارع الموت في عز شبابها وهي تفكر في صغارها الثلاثة مع كل كلمة آه تتمتم بها شفتاها.
في اليوم الباكر كانت الأم تلقي نظرات الوداع على أمها وشقيقاتها وهي توصيهن من على سرير المستشفى على فلذات كبدها لتسلم روحها إلى بارئها في نفحات مباركة من الشهر الفضيل وينقل جثمانها إلى قريتها المجاورة.
الصغيران لم يدركا ما حدث، حيث كانت تعليمات الأهل إخبارهما بأن أمهما سافرت للعلاج، لكن عندما انطلق النعش باتجاه مقبرة الحي القريبة، لمح الطفلان مشاهد غير مألوفة بالنسبة لهما كعمليات الحفر وإنزال النعش.. هنا سألا أبناء عمومتهما عما يجري فأجابهما أحدهم بأن أولئك يقومون بزرع نخلة هناك ليقتنع الصغيران بتلك الإجابة التمويهية.
رجع المشيعون من المقبرة، لكن الصغيرين مصران على معرفة المزيد خاصة عندما يسمعان بكاء الأهل ويشعران بنظرات الشفقة تجاههما دون أن يعلما سرها فبحثا عن والدهما المصدوم بفقدان زوجته ولكن لم يجداه حينها الأمر الذي ضاعف لديهما علامات الاستفهام.
الشمس تستعد للرحيل مودعة ذلك اليوم الحزين ويخيم الظلام ويرخي الليل حبائله لعله يبوح بأسرار جديدة للصغيرين اللذين غلبهما النعاس من كثرة الإعياء ليفترش الأخ الأكبر الرمال بجانب (العريش)الصيفي وعيناه تراقبان النجوم في كبد السماء متخيلاً والدته وهو يناجيها ويتحدث إليها.
استمر الصغير في تساؤلاته حتى غطت عيناه في سبات عميق ليستيقظ مع بداية بزوغ خيوط الفجر باحثاً عن شقيقه الأصغر الذي فضل المكوث مع إحدى قريباته انتظاراً لعودة الأم من السفر، وظل هو مع خالته فيما تكفلت جدتهما لأمهما بتربية شقيقتهما الرضيعة والتي حملت اسم أمها الراحلة تيمناً بها.
ظلت الأسئلة تداعب خيال الصغيرين مع استمرار غياب أمهما وهما يُخمنان نوعية الألعاب التي ستجلبها لهما.. ولكن الغياب يطول ولا إجابات وافية سوى تلميحات يكتنفها الغموض والضبابية ولم تفك شفرتها إلا كلمة واحدة استرقها الأخ الأكبر حين تعدى عمره السادسة ليسمع إحدى قريبات والدته تقول لصديقتها: هاذول عيال (المرحومة) ؟، فأخذ يفكرملياً في تلك الكلمة ويسأل عن معناها حتى عرف أن أمه فارقت الحياة فأجهش بالبكاء ثم ذهب لطلب أبيه فلم يجده بحكم عمله في المدينة البعيدة عن القرية فتوجه إلى خالته التي لم تقاوم الموقف فأجابته: أمك يرحمها الله ماتت وعلينا الدعاء لها بالرحمة والغفران حتى يجمعنا الله بها في دار الجنان.
انكشفت الحقيقة أخيرا.. وكان الحدث الأبرز بعدها هو زواج الأب بسيدة أرملة من أهالي القرية رحل عنها زوجها دون أن يُنجبا، وبمرور الأيام ينضم الأخ الأصغر إلى كنف عمته (زوجة أبيه) فيما ظل الأكبرعند خالته حتى تجاوز السابعة ليلتحق بأخيه كنقطة تحول في حياة الصغيرين اللذين وجدا عند عمتهما الحنان والأمان كخير تعويض من الواهب المنان الذي يأخذ ويعطي وله بذلك حكم وعبر فكانت رحمته بالصغيرين واسعة بأن وهبهما أماً بديلة ينادونها (ماما).
الشقيقان وفي بيئتهما الجديدة خاصة بعد بلوغ الأكبر سن العاشرة والأصغرالتاسعة أخذا يترددان على قبر أمهما في مقبرة الحي المجاورة حيث استدلا عليه بمساعدة والدهما وهما يبحثان عن النخلة التي زرعت هناك كما قيل لهما - تمويهاً - لكيلا يعرفا بأن أمهما ماتت وقُبرت في ذلك اليوم، لكن الشقيقين أدركا فيما بعد بأن النخلة التي لا تبارح ذاكرتهما لم تعد تمويهاً فحسب بل كانت تشبيهاً حقيقياً لأمهما التي كانت كالنخلة في عطائها وتضحياتها وظلها الوارف على أبنائها وصغارها ، والعكس صحيح فالنخلة كالأم أيضاً كما عُرفت بهذه التسمية قديماً.