|
|
لوعة القلق
أسماء الزرعوني
* دار الخليج
عندما تهرب مني الحروف وتلاحقني لوعة القلق أنظر إلى الأوراق اليابسة وأحاول تحريك القلم، الساكن . لا جدوى فالكلمات تنفر والصداع يصر على ملازمتي في وهن اللحظات وأنا أبحث عن الإبداع والمكان الذي يمكن أن أسطر فيه عوالق تفكيري . . وحين تدور في رأسي الكلمات متمازجة بذاكرتي أفكر في مكان آخر يمكن أن يساعدني على رسم حروفي فلا أجد سوى الأزرق العجيب الذي أخاف من هيبته وأرتاح لدفء حنينه . . نعم، أقطع الأميال وأنا أحاول الوصول إليه قبل المغيب وحتى لا تفوتني لحظة اختطافه الشمس فأهرول في أودية الحبر والورق وأنسج حروفي بحروف الشمس، لحظة المغيب فيما الموج يلاعب سلسلة الزبد وومضات الحروف . . تتحرك وتستنجد بالقلم لترسم لحظات عناق الشمس ورقصة الزبد على دفوف الموج كرقصة الحروف على دفوف الورق .
وقتها يجري قلمي وتشرب أوراقي اليابسة وأنا أنظر هذا العملاق .
يأخذني التفكير بعيدا حيث امتداد الموج وأنا أغيب مع منظر الغروب وسريالية المياه، حيث لم أنتبه للملوحة التي غسلت وجهي وملابسي، للعطش الذي حاصرني، وللبحر الذي ما ارتويت منه .
ما أن أرتوي حتى أقوم بجمع الصدفات وأنظر إليها بدقة، ومن جوفها الصور والحكايات التي كنت أسمعها عن أبي وعلاقته وعشقه للبحر . هذا العملاق الأزرق، ثم أزيح عيني عن الصدفات، وأتمنى أن تنقطع سلسلة الأحداث المخيفة التي امتدت في وطننا العربي، كم يكون المنظر مأساوياً وأنت ترى دماء الأبرياء تسيل، وبكاء آخرين لفقدان عزيز عليهم؟ لم أنتبه إلا على صوتي وأنا أقول بس كفانا ضحايا، كفانا دماراً وخراباً، دعونا نعش في سلام . وأعدت التفكير في نفسي، ما هذا السر الغريب الذي يربطني بالبحر لماذا أحبه؟ ولماذا أخافه؟ ولماذا لا أقطع زيارتي له؟ حقاً إنه يأخذني معه وأتماهى معه، كأنني سمكة إذا ابتعدت عن المياه تموت ومع الموت تخبو الكلمات، تكف عن الانطلاق، تدعو إلى العودة لمربع الرمال وتقلبات الأمواج . وفي وقتنا هذا تقلبت فيها أمور حياتنا كلها وأمواج الحياة تسرق منا نكهة السعادة والصفاء والحميمية التي كنا نعيشها في السابق، أصبحنا نعيش في أجواء مغلقة، محاصرين بين الجدران، والأجهزة توصلنا بالعالم، حتى صلة الرحم أصبحت عبر رسالة تخلو من المشاعر والأحاسيس .