|
|
الفلسطيني المتشائل
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
أول من اخترع مفردة “المتشائل” روائياً هو الكاتب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي، وهي اشتقاق من كلمتي “المتفائل” و”المتشائم” في رواية له صدرت في عام ،1974 ورغم أن تلك المرحلة الفلسطينية سياسياً كانت أقرب إلى روح التفاؤل، إلا أن صاحب الرواية كان ينظر إلى هذا التفاؤل بشيء من الحذر انطلاقاً من رؤية سياسية مبنية في الأساس على ثقافة إميل حبيبي العميقة، وقد عمق من هذه الرؤية ذلك الانتماء السياسي الذي عرف به حبيبي بين الكتاب الفلسطينيين على وجه التحديد، وهو انتماء يؤدي في النهاية إلى وظيفة واحدة جوهرية بالنسبة إليه وهي خدمة الأدب للقضية الفلسطينية، ورغم أن هذه الوظيفة يجب أن تقوم على الجدية والالتزام والمسؤولية الأدبية والأخلاقية، إلا أن حبيبي كتب رواية سياسية فلسطينية تماماً بروح ساخرة في إطار سردي حكائي يكاد يقترب في حرارته وتلقائيته من السرد الحكائي الشعبي .
لسنا في معرض استعادة الرواية قرائياً ونقدياً بعد مرور 38 عاماً على صدورها، ولكن بعد هذه السنوات الطوال من عمر التراجيديا الفلسطينية ألا يبدو الفلسطيني حقاً كائناً متشائلاً أو شخصية متشائلة بامتياز الآن الآن وليس أمس وليس غداً، بحيث يمكن القول إن إميل حبيبي لم يكن روائياً ساخراً في هذا العمل السردي فقط، بل هو روائي بنوئي أو توقعي بامتياز أيضاً .
اليوم ما الذي يمكن أن نسوقه من حيثيات ومبررات لنقول إن الفلسطيني متفائل، ويجب أن يظل متفائلاً وهو يرى هذه الكوميديا السوداء التي تجري في بلاده، وهي كوميديا أبطالها سياسيون ونخب قيادية منقسمة على بعضها باطنها السياسي غير ظاهرها، وظاهرها غير باطنها إلى درجة عالية من الفوضى والالتباس .
بين التشاؤم والتفاؤل يقع الفلسطيني اليوم تماماً في حالة سياسية متوترة وغير مفهومة، وأكثر من ذلك حالة تدعو إلى السخرية والرثاء، أما عنوان هذه الحالة فهو الانقسام الذي يحاول أن يخرج إلى اللاإنقسام بخطوات بطيئة مثل مشي السلحفاة .
نعم الفلسطيني متشائل اليوم وهو هنا الفلسطيني الشعبي الفقير والمسحوق والضائع بين الأقدام المتناحرة .
إنه الفلسطيني الذي سماه إميل حبيبي “سعيد أبي النحس” . . وهو يحمل سعادته ونحسه على ظهره منذ أكثر من ستين عاماً . . ولم يتلطف به أحد .