|
|
شعلة تخترع نجمة
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
تذكر الشاعرة اللبنانية فينوس خوري غاتا في العدد الأخير من مجلة “نزوى” ان أخاها فيكتور . . “ . . تعرّض لمعاملة قاسية جداً من أبيه وبقي زمناً طويلاً جداً في مستشفى للأمراض العقلية، هو الذي كان يحب أن يكتب شعراً”، وتقول إنها نوعاً ما تولّت الكتابة مكانه .
في هذه الحكاية تكثيف للألم أو للشقاء البشري في الشعر الذي يُعد في حالة فينوس خوري، وفي حالات مشابهة، نوعاً من العلاج والمداواة ليس باللغة فقط، بل، بالذاكرة .
تبدو ذاكرة هذه الشاعرة الفرانكفونية هي ذاكرة أخيها الذي أخذه حظّه العاثر إلى مستشفى أمراض عقلية . وفي حين أن هذا المريض في وضع بشري أشبه بالغياب، ولا يعرف أن ثمة من يكتب نيابة عنه، ثم لا يعرف أن كوكب الشعر يدور فوق رأسه تقوم أخته الشاعرة بدفعه إلى الحضور في الحياة لتأكيد إنسانيته، بل ولتأكيد صورته الحية والواعية والعاقلة تماماً وبكل صحوها وحتى بهائها رغم كل غيابه وانفصاله عن ذاته .
هل يبدو جزء من شعر فينوس خوري اعتذاراً إلى أخيها رغم أنها لا دخل لها في هذه المأساة؟ تقول . . “أخي فيكتور كان مأساة طفولتي وحياتي، وأكثر ما استطعت أن أفعل من أجله هو أن أجعله بطلاً في رواياتي” .
هنا مكمن المأساة أو العذاب البشري . . الطفولة .
لو لم تكن صاحبة “بيت على حافة البكاء” قد عايشت هذه التجربة المرّة منذ طفولتها، ربما لما كان لها أن تكتب نيابة عن أخيها الذي حوّلته إلى شعر وإلى بطل روائي بكل عافيته وحيويته الإنسانية .
ولكن كيف تكتب نيابة عن الآخر، ذلك الآخر الغائب أو “المبني على المجهول”، الآخر الذي في مكان آخر وفي زمن آخر . ذلك الكائن الضبابي السرابي كالطيف أو الشعاع؟
بصورة ثانية . إن ما لم يكتبه الأب يقوم الابن بكتابته، كالمنزل الذي لم يشيده الجد، فيشيّده الحفيد، والشجرة التي لم تزرعها أنت، يزرعها ابنك، “ما لم تعرفه يداي أعرفه بالناي”، وما تحمله في الطفولة يحملك في الكهولة .
حملت فينوس خوري شاعرة الضوء والظلال مأساة أخيها في طفولتها، فحملها الشعر في شيخوختها المضيئة . هذه الشاعرة التي تبدو كأنها دائمة التحديق في وجه السماء “إن نجمة ماهي من اختراع شعلة” .
شعلة الألم البشري اخترعت ملايين النجوم التي تصعد من الأرض إلى السماء، ومن هناك يتساقط على الأرض دمع أحمر .