كل عبودية زائلة

يوسف أبو لوز

* دار الخليـج







نقطة ماء فوق نقطة ماء تصنعان مع الزمان بحراً . نقطة دم، فوق نقطة دم، قد تصنعان تمثالاً أحمر بائساً . حرب بعد حرب، غزو يستولدُ غزواً، نار تأكل ناراً . ضغينة تأكل ضغينة . فساد يأكل فساداً، دهاء يلتف على دهاء، تآمرٌ يشبع من التآمر، رعب فوق رعب فوق رعب . . كل ذلك موت .

شرارة بالقرب من شرارة تؤلفان جحيماً . . ومع ذلك تبقى الحياة . تبقى الغيوم والقصائد والموسيقا وقهوة الصباح، والمرأة التي تنشر الغسيل فيتساقط الضحك من قمصانها البيضاء، تبقى الورقة والقطة النائمة فوق كتاب، والشرفة المشعشعة بالياسمين .

الحياة . . ثقافة الحياة هي الباقية . نهر الدم سيتوقف ذات يوم . التمثال الأحمر سيُرمى بقصائد الهجاء ذات يوم، الحرب ستأكل الحرب ذات يوم . ومهما طال سهر الطاغية، فإنه لا بد أن ينام . مخدّته حجر . . ولحافه شوك، وأحلامه مملوءة بقطعان الوعول .

غيمة في قلب غيمة . . ماء السماء

رجل إلى جانب رجل . . طفل بيد طفل . . امرأة إلى جوار امرأة . . شعب ووطن .

الإنسان زائل . . لكن يبقى تاريخه وتبقى سيرته . تاريخ قد يذهب إلى النسيان، وقد يذهب إلى الذاكرة التي تحتفظ به كما تحتفظ زهرة برائحتها إلى الأبد . لكل ذلك يكتب الشعراء قصائد مملوءة بالسحر والأساطير . الإنسان الحرّ والعادل والنظيف أسطورة . إنسان الشعر، إنسان البقاء في الكتابة . لا محو يطاله ولا نسيان . لا غياب يأخذه من الحضور، ولا ليل يقوى على اختطافه من وضح النهار .

أغنية الشاعر مرّة بلا ثقافة الحياة .

لوحة الرسام بلا لون ولا ضوء وظلال . . من دون ثقافة الحياة .

الشمس مكسوفة وخجولة، مرتبكة ومضطربة . . بلا ثقافة الحياة .

البحر ميت ويتيم بلا ثقافة الحياة .

لهكذا تتوجه الشعوب إلى تلك الفاكهة الحارّة التي اسمها الحرية .

تلك النجمة الوحيدة والأخيرة في مجرّة الدم والدموع . نجمة لا تشبه إلا نفسها . لا شقائق لها إلا شقائق الروح . روح الإنسان التي تعانق روح أخيه الإنسان . أرواحٌ تلتقي وتتآلف . تتوحد وتنصهر في زمن بشري له بداية دائماً، وليس له نهايات .

كلمة إلى جوار كلمة . . لغة .

صوت إلى جوار صوت . . موسيقا .

وقصيدة مع قصيدة . . نشيد . نشيد الروح الصّاعد إلى السماء . نشيد الشمس والضوء عندما تتوارى وتذوب فلول الليل الذي تولد من قلبه تلك الكلمة الطاغية: “العبودية” .

كل عبودية زائلة .

كل حريّة باقية .