أطفال يحترقون وآخرون يحتفلون
نضال عساف
* دار الخليج
قد يثير عنوان المقال المكتوب الاشمئزاز، فكيف للنفس البشرية أن تتقبل حدوث مأساة كهذه على أرض الواقع؟ شاء القدر وحصلت كارثة قبل أيام، عندما انحرفت حافلة تقل على متنها مجموعة من الأطفال الفلسطينيين وهم في طريق عودتهم من نزهة مدرسية إلى أحضان أمهاتهم . كان الجو ماطراً كأنه كان يؤنس قلوبهم، ويتمم عليهم بهجتهم، يلهيهم عن المفاجأة المفجعة . اصطدمت شاحنة بالحافلة فانقلبت واشتعلت فيها النيران كأن الدنيا احترقت .
الحادث مأساوي يفطر قلب الإنسان، ويبكي الجماد والنبات والحيوان . يجعل العين الآدمية بدلاً من أن تذرف الدمع تذرف دماً أسود كلون الفحم الذي آلت اليه أجساد الأطفال الهشة والنضرة . من الطبيعي أن نعبر عن أحزاننا لأننا بشر، ولكن ليس من الطبيعي ولا الإنساني أن نرى في الضفة الأخرى كائنات تتشمت وترقص فرحاً حول الدخان الصاعد من أجساد الأطفال . هذا ما قام به بالفعل جنرالات الاحتلال وأولادهم . حولوا مأساتنا إلى عرس . أطلقوا التعقيبات القاسية التي تملؤها الكراهية واللؤم على صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية “الإسرائيلية” التي تفرح وتهلل لموت أطفال عرب في حادث طرق .
الإنسان حين يفقد الإحساس بالآخر يتحول إلى مسخ، لا قلب له ولا دم يجري في عروقه، وليس غريباً على من جعلوا أطفالهم يكتبون الإهداءات على هياكل صواريخ الموت التي مزقت أجساد أطفالنا في قانا، ليس غريباً عليهم أن يصنعوا حساء ابتهاجهم من دمنا، ويجعلوا من عظام أطفالنا وقوداً لنارهم وطقوساً لأعراسهم . أما نحن فليس غريباً علينا أن نملك حاسة الذوق وأن نقدم العون للمحتاجين وأن نتعاطف مع الآخر، لأن شرائعنا وأخلاقنا لا تسمح بغير ذلك . شاهدت شريطاً مصوراً يظهر فيه الشهيد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) أثناء التخطيط لاقتحام وزارة حرب الاحتلال وهو يوصي شباب المقاومة بعدم التعرض للأطفال أو إصابتهم بسوء أثناء تنفيذ العمليات الفدائية، وحين قاطعه أحد الشباب وردد بأنهم قتلوا أطفالنا في صبرا وشاتيلا، أجابه الوزير بأننا لسنا من هؤلاء .