المستقبل الجائع
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
“ . . في أحد الأيام، وبينما كنا في المقهى نتجاذب أطراف الحديث، وفي لحظة مباغتة واحدة وأنا أشير بيدي بطريقة عشوائية من دون أن أحدد جهة بعينها، قطعت على صاحبي حديثه وقلت له: انظر إلى المستقبل، فالتفت من فوره، وبشكل لا إرادي، كمن يبحث عن شخص يعرفه حق المعرفة، ثم بادرني متسائلاً: أين هو؟، فقلت له: مَنْ؟ قال: المستقبل؟ فأجبته ممازحاً: لقد دخل ذلك المطعم، يبدو أنه جائع . .” .
لو لم أعرف الشاعر الإماراتي عبدالعزيز جاسم حق المعرفة منذ سبعة وعشرين عاماً، ولو لم نجلس ذات ليلة متقابلين على طاولة حوار حتى ساعات الفجر الأولى نتناوب على “تحليل الماضي” كما تحليل الدم، لانفجرت من الضحك وأنا أقرأ فقرته الطويلة هذه حول المستقبل من كتابه الغزير بالفكر “جحيم نيوتن = تأملات ثقافية في تحوّلات العالم”، لكن حقيقة عبدالعزيز أنه لا يجيد التنكيت ولا يعرف صناعة الضحك رغم روحه المرحة وخفة دمه وظله وحتى خفة جسده الذي يشبه سنبلة منسية في رأس الخيمة . تلك الخفة البشرية التي تحتفل بالحياة عن طريق الشعر، ولكنه، هنا في كتابه “جحيم نيوتن” مفكر ومتأمل ومحلّل، والجميل أنه محلل سياسي نوعاً ما، ولكن من دون نظارات سميكة وربطة عنق تعود في موضتها إلى العام “ألف وتسعمائة وخشبة” كما يقول المجازيون الذين يُحيلون الزمن إلى أخشاب كناية عن القدم والعتق .
ولكن، كيف يدخل المستقبل إلى مطعم ليسد جوعه؟ وهل يجوع الزمن، ذلك الزمن المستقبلي المقبل، الذي يفترض أنه أفضل حالاً من الماضي والحاضر، وأكثر وفرة في الطعام .
أترك كتاب عبدالعزيز جاسم جانباً، وأفكر في جوع المستقبل، ولكن قبل ذلك، لماذا لم يقرأ هذا الكتاب جيداً هنا في الإمارات من جانب نخب ثقافية وفكرية محلية معنية أساساً بتحولات المنطقة وتحوّلات العالم؟ سؤال أتركه معلقاً هكذا من قميصه في الهواء، إلى حين تقوم مؤسسة ثقافية بعقد حلقة نقاش لهذا الكتاب الذي يقع في حوالي 600 صفحة كلها تأملات مفكر في ثياب شاعر، أي أنه فكر غير صارم على الأقل وخالٍ من الدسم الإيديولوجي التنظيري الثقيل .
المستقبل جائع . .
سيكون هكذا إذا جاء امتداداً للماضي والحاضر، إذا لم تضع الحروب أوزارها، إذا لم تهدأ شراهة الدم، إذا لم يتقاعد الاستبداد من حفلة الموت، إذا لم ينكسر قمر الدموع، إذا لم يرحل الطغيان، إذا لم تتوقف أنهار الرماد .
الجوع كافر .
لكن الشبع والتشبّع بلحم ودماء الناس البسطاء الفقراء حدّ التخمة والتقيؤ، أكثر كفراً وأشدّ سعيراً من قبو الجحيم .