مدن تولد من القسوة
يوسف أبو لوز
* دار الخليج
فيما كانت طائرات الجنرال فرانكو تضرب مدينة الجورنيكا في إقليم الباسك في إسبانيا في العام 1936 حتى حوّلها بمن فيها من أطفال ونساء وحدائق إلى كومة من التراب، وهو يصب الزيت على نار الحرب الأهلية . . فيما كل هذا البطش يمارسه جنرال متعطش إلى الدم بأعصاب ليست باردة . . كان الرسام بابلو بيكاسو يرمم المدينة بيدين خارجتين من الرماد .
الجنرال يهدم المدينة على رؤوس أهلها، والرسام يتولى الدفاع عنها بصدره العاري الذي نمت فيه وردة حمراء هي دموع النار، وبين جنون فرانكو وعقلانية بيكاسو ستدخل الجورنيكا إلى التاريخ وإلى ذاكرة البشرية . صحيح أنها تحوّلت إلى مدينة أشباح ودم ودموع في ثلاثينات القرن الماضي، ولكن، من لا يعرف الجورنيكا اليوم، ومن لا يعرف اسمها الفني الآخر الذي كتبه بيكاسو بلون التراب وليس بلون الدم .
روما أيضاً لو لم يحرقها نيرون وهو يلعب على كمنجة، لما بقيت في ذاكرة البشرية حتى اليوم، شأنها شأن طروادة ومدن أخرى كان نصيبها أن تذهب إلى المأساة التي يصنعها الدمويون، ولكن في نهاية المطاف يموت الطاغية وتبقى المدينة . يموت الجنرال وتظل اللوحة .
هيروشيما وناغازاكي أشهر اليوم من الطيارين اللذين قصفاها بالقنابل الذرية، بل هما المدينتان الأشهر في العالم، ومهما امتلك السلاح الجوي الأمريكي من مجد، فإنه لن يساوي ولو جزءاً صغيراً من الذاكرة البشرية التي تحتفظ بالتراجيديا الإنسانية لهاتين المدينتين اللتين بقيتا في التاريخ وفي الجغرافيا . لكن الحرب العالمية الثانية انتهت، وذهب جنرالاتها إلى النسيان، وانطوت في المجهول كل تلك السيرة السوداء للطيارين الذين كانوا يقصفون المدن في وضح النهار، وعند غروب الشمس، كانت تولد زهور شفقية تنبئ بولادة الفجر .
مات نحو 160 ألف إنسان في مأساة هيروشيما وناغازاكي على يد صنّاع الموت في أمريكا، لكن اليابان اليوم هي واحدة من الدول التي يضرب بها المثل في المدنية وقوة الإرادة التي لم يستطع الأمريكيون اقتلاعها من الأرض، فحاولوا تقويضها من الفضاء .
الجيش الروسي في العام 1968 قمع ربيع براغ بالحديد والنار بلا رحمة وبلا مبالاة أيضاً، ومع ذلك ذهب الجيش الأحمر إلى النسيان بعدما تفكك الاتحاد السوفييتي وبقيت براغ في الذاكرة البشرية .
مدن كثيرة في التاريخ، بدلاً من محوها من الخريطة بالسلاح من الجو ومن الأرض، أصبحت هي الخريطة، واكتسبت مجدها التاريخي من عمق الألم والقسوة .